شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مقدمة لدراسة علم التوحيد

صوت السلف • المنهج السلفي

سوف نبدأ -إن شاء الله- في شرح أصول أهل السنة والجماعة من كتاب المنة. وقبل أن نبدأ نود أن نذكر مقدمة في أهمية الإيمان كما بينه النبي -صلى الله عليه سلم-.

دراسة التوحيد والعقيدة، وتطبيق ذلك عملياً مر عبر التاريخ بمراحل مختلفة حتى صار طريق القرآن والسنة طريقاً مهجوراً إلا من رحم الله من عباده المؤمنين السائرين عليه.

نشبه أمر الإيمان وما جاء به النبي -صلى الله عليه سلم- بالقصر العظيم الذي من دخله وجد فيه أنواع السعادة كلها، وقد عدا على هذا القصر الأعداء ورموه بأنواع من الحجارة، وقد هدموه في نفوس الكثيرين، وبقيت بعض المعالم في نفوس البعض، وعبر الزمان تعرض هذا القصر لأنواع من الهجمات، على أيدي فرق البدع والضلال التي هي في الحقيقة امتداد لعقائد المشركين والملل المنحرفة الأخرى، والمنافقون هم الذين ترأسوا هذه الفرق محاولة لإفساد الدين كما أفسدوا قبل ذلك ما جاء به الأنبياء من دين موسى وعيسى -عليهما السلام-.

فكان ما وقع من أنواع الانحراف في الاعتقاد من أول انحراف الخوارج وغلوهم في مسائل الإيمان، ثم انحراف التشيع والغلو في أهل البيت في أواخر عصر الخلافة الراشدة، ثم بعد ذلك بدع التجهم من نفي الأسماء والصفات، ومعه بدع نفي القدر، وبدعة الإرجاء. أنواع من البدع أدت إلى هدم هذا القصر في نفوس الكثيرين من الناس.

وكان لابد في كل زمن من وجود معالم تحدد حدود هذا القصر الذي بناه الأنبياء على -سبيل المثال- ليتمكن كل مؤمن من بناء قصره الداخلي في حدود هذه المعالم.

ولابد من التمييز بين الحجار التي قصد بها هدم القصر، وصار كومة لدى كثير من المنتسبين كومة من الحجار، وعبارة عن لبنات من البناء الأول وأحجار كانت أسباب هدم في هذا القصر. فكان تحديد معالم عقيدة أهل السنة والجماعة في المسائل المختلفة منذ أن انحرف أهل البدع، كان مثل ترسيم الحدود ووضع الأسس التي يبني عليها البناء.

كان من أخطر ما تعرضت له دراسة العقيدة والتوحيد المنهج المختلف في تناول أمور الغيب والإيمان -أعني بذلك دخول الفلسفة وعلم الكلام-. فإنه مازال له الأثر الخطير إلى يومنا هذا في دراسة العقيدة والتوحيد.

ولابد من تحديد المعالم، وكل زمن يظهر فيه الانحراف ينص أهل السنة على مسائل بعينها يظهر بها حدود البناء الذي يحتاج كل منا أن يبنيه لنفسه.

تحديد هذه المعالم قد يزداد زمناً بعد زمن، فقد كان في الزمن الأول هناك من يخالف في مسائل الإيمان، فأصبحت مسائل الإيمان والكفر من أهم المسائل التي يُنَصُ عليها، ويبين أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، وأنه لا يخلد في النار، وأن الإيمان يزيد وينقص، مع أن هذا المسائل لم تذكر في أصول في حديث جبريل الذي هو مثل فهرس الكتاب الذي جمع فيه معالم الدين، ولكنها أُبرِزت وبُيِّنَت لما ظهر أهل البدع المخالفون.

وفي مخالفة أهل البدع في علو الله على عرشه صارت مسألة العلو والفوقية إحدى المسائل التي ينص عليها أهل السنة.

وعندما ظهرت في عصر المعتزلة مسألة خلق القرآن صار ينص في عقيدة أهل السنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مع أن هذا لم يكن في الزمن الأول، ولم تنقل عن الصحابة هذه العبارة، ولكنها مقتضى الدليل الثابت من الكتاب والسنة، ومقتضى ما نقل عنهم في صفات الله -تعالى-.

والبدع الخطيرة التي وقعت في ترك نصوص الكتاب والسنة والانشغال بالفلسفة وعلم الكلام الذي هو في الحقيقة ميراث عقيدة أخرى غير عقيدة أمة الإسلام، وميراث من خالف أنبياء الله ورسله.

وقد وقع لأمتنا دخول الفلسفة الإغريقية على يد الفلاسفة ثم المتكلمين الذين هذبوا الفلسفة ثم صبوها في قالب إسلامي، وقد أدى إلى وجود قدر عظيم من الانحراف. وقد أدى إلى أن يقف أهل السنة موقفا محدداً في مسائل بعينها، وكان من آخر ما تعرض للعدوان والهجوم من عقائد أهل الإيمان ما يتعلق بتوحيد الألوهية وصرف العبادة لغير الله، وذلك أنها أعظم المسائل وضوحاً ولذا نجد في الكتب المتقدمة التي ألفت قبل عصور الانحطاط الشديد الذي شهد مولد الغلاة من عباد القبور بعد أن سيطر الرافضة والباطنية زمناً طويلاً على كثير من بلاد المسلمين أدت إلى أن يخترق الأعداء هذا الحاجز عند الكثيرين، وصارت عبادة القبور والغلو فيها وعبادة الصالحين أمراً موجوداً كان يخشى منه النبي -صلى الله عليه سلم-على أمته ويحذر منه، ووقع الإطراء في الأنبياء والصالحين الذي حذر منه النبي -صلى الله عليه سلم-. ولذا قد لا نجد في الكتب المتقدمة على هذا العصر إشارة إلى أهم قضايا التوحيد وهي توحيد الألوهية، وترك الشرك بالله؛ لأنها كانت مستقرة في ذلك العهد. ومثل الرجوع إلى شرع الله والتزام طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه سلم-، ونبذ أحكام الجاهلية. وكذلك قضية أن الإسلام هو وحده الدين الحق، وأن ما سواه من الملل والأديان باطلة.

وهذا البدع المحدثة لها جذورها في الفرق الضالة قديماً، لكن لم تظهر بقوة، ولم تطرح بقوة على أسماع المسلمين كما ظهرت في زماننا، فاحتاج الأمر إلى مزيد من التحديد ووضع المعالم، ولذا دخلت كثير من مسائل توحيد الألوهية التي لم تذكر في الكتب المتقدمة، والتي يحرص البعض على الرجوع إلى دراسة ما كتبه المتقدمون، وهذا أمر ينبغي أن يكون، ولكن بشرط أن يضم إليه ما يحتاج إليه الناس.

لو تأملت مثلاً كتاب العقيدة الطحاوية وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، تجد أن كتاب التوحيد تعرض لكثير من المسائل التي لم يتناولها كتاب العقيدة الطحاوية ولا شرحه، وكان السبب في ذلك أن هذه البدع لم تكن ظهرت في العهد الأول، فاحتاج الأمر إلى مزيد من التحديد والتوضيح.

الصفحة التالية