شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسالة إلى الآباء والأمهات

محمد الجهمي • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه رسالة بريدها: الصفاء، وطابعها: الإخاء، وعنوانها: الإشفاق، أرسلها إلى كل أبٍ وإلى كل أم رزقهما الله البنين أو البنات؛ لكي يعلموا خطورة الأمر وعظم المهمة، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ.. ) (التحريم:6) .

روى ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في معنى الآية: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فذلكم وقايتهم من النار".

وعن علي -رضي الله عنه- قال في معناها: "علموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدبوهم"، فالآية نداء لأهل الإيمان بأن يعملوا جاهدين لإبعاد أنفسهم وأهليهم من النار، لذلك؛ فإن مهمة تربية الأولاد عظيمة يجب على الآباء والأمهات أن يحسبوا لها حسابًا، ويعدوا العدة للقيام بحقها، خصوصًا في هذا الزمان الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن، واشتدت غربة الدين، وكثرت فيه دواعي الفساد حتى صار الأب مع أولاده كراعي الغنم في أرض السباع الضارية، إن غفل عنها ساعة؛ أكلتها الذئاب، فهكذا الآباء والأمهات إن غفلوا عن أولادهم ساعة؛ تاهوا في طرق الفساد.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ: أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ) (رواه النسائي وابن حبان، وصححه الألباني) . وفي رواية: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) (رواه أحمد والبخاري) .

فأنتَ أيها الأب.. وأنتِ أيتها الأم.. سوف تسألون؛ فليعد كل منكم للسؤال جوابًا، فكل من وهبه الله نعمة الذرية؛ وجب عليه أن يؤدي أمانتها بأن يُنشئ أبناءه ويربيهم تربية إسلامية، وأن يتعهدهم منذ نعومة أظفارهم.

إن الطفل الناشئ كالعجينة اللينة في يد صانعها يشكلها كيفما أراد، أو كالصحيفة البيضاء قابلة لكل ما يكتب فيها أو ينقش عليها.

ومِن هنا يجب على الوالدين أن يكونا حريصين على ما يصدر منهما أمام أولادهما، فلا يتحدثان إلا بالصدق، ولا ينطقان إلا بالحق، ولا يتعاملان معهما إلا بالرحمة والشفقة والرفق، وأن يبينا لأولادهما الخطأ والصواب.

ففتى اليوم سوف يصبح أبًا غدًا، وفتاة اليوم سوف تكون أمًّا في المستقبل، ولا بد من إعداد كل منهما إعدادًا طيبًا؛ ليكونوا لبـِنات صالحات في بِناء صرح الأمة الإسلامية.

فعلى الوالدين أن يقوما بتنفيذ المنهج التربوي الذي رسمه الإسلام، وإنما يكون ذلك عن طريق مراقبة سلوك الأبناء، واختيار أصدقائهم حتى لا يختلطوا بذوي الأخلاق الفاسدة والعادات القبيحة، فإن الأولاد إذا عودوا الخير في صغرهم؛ نشئوا عليه وسعدوا به في الدنيا والآخرة، وكان لوالديهم الأجر العظيم والثواب الجزيل من العالمين، وإن نشئوا على الشر ودرجوا عليه؛ شقوا وهلكوا، وكان الوزر والإثم معلقًا برقبة أولياء أمورهم، والقائمين على تربيتهم إذا هم قصَّروا في هذا الواجب، فعلى المؤمن أن يقي نفسه وأهله من عذاب الله قبل أن تضيع الفرصة، ولا ينفع الاعتذار.

وينبغي علينا أن نربي أولادنا على معرفة الله ووحدانيته، وحبه وطاعته، وحب رسوله -صلى الله عليه وسلم- واتباعه والاقتداء به، ونعلمهم الصلاة، وندربهم على الصيام والجود، والعفو والحلم والشجاعة، ونخوفهم من السرقة والخيانة، والكذب والغيبة والنميمة، والفحش في الكلام وأكل الحرام، فإن قلب الطفل جوهرة نفيسة قابلة للخير والشر، وأبواه هما اللذان يميلان به إلى أحد الجانبين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ) ثم يقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (الروم:30) ، (رواه البخاري) .

كما يجب على المسلم أن يراقب أبناءه، فلا يتركهم فريسة لما يكتب في بعض الصحف والمجلات التي تتحدث عن الجنس وإباحة الرذيلة، والتي تتسبب في فساد الأخلاق، وانحراف الشباب والفتيات، كما يجب عليه أن يصون أبناءه عما يذاع بوسائل الإعلام أو ما يشاهد في التلفاز ودور السينما، ووصلات النت من مسلسلات ماجنة، وأفلام صاخبة تؤدي إلى السقوط والضياع.

وفوق ذلك كله؛ يجب على المسلم أن يحتاط في إطعام أولاده، فلا يكتسب قوتهم من الحرام، فإن الأولاد إذا طعموا الحرام؛ خشي ألا يُبارك فيهم، وأن يميل طبعهم إلى كل خبيث، فيكونون بلاء على أهليهم، ومصدر شقاء لأوطانهم.

فلو التزم كل مسلم بتعاليم الإسلام في تربية أبنائه؛ لوجدنا جيلاً من الشباب الصالح المتدين العارف بربه المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، الحريص على مصلحة وطنه وحمايته من كل خطر، وصيانته عن كل منكر، لكننا نلاحظ أن كثيرًا من الآباء يهربون من هذه المسئولية، ويعرِّضون أبناءهم للضياع، ويتركونهم للانحراف، وكم من ولد جرَّ على أهله الخراب والدمار؛ لسوء أدبه، وقلة حيائه! وكم من فتاة ألحقت بأسرتها الخزي والعار؛ لأنها تُركت بلا رقيب، وسارت في ركب الشيطان بلا حسيب.

وخوفًا من فشو هذا الخطر بين الأسر والعائلات؛ فإن الإسلام يناشد الآباء والأمهات أن يلزموا أولادهم، وأن يحسنوا أدبهم؛ حتى لا يقعوا في شراك أهل الضلال، بل يريد الإسلام أن يتصف الأبناء بصفات علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، ومصعب بن عمير، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهم-، أولئك الذين أضاءوا الدنيا بأعمالهم وسيرتهم.

الصفحة التالية