رسالة إلى الآباء والأمهات
محمد الجهمي • المرأة والأسرة
كما يريد الإسلام أن تكون الفتاة متدينة عارفة بربها، متمسكة بتعاليم دينها، كتلك التي كانت تقول لزوجها إذا خرج لعمله وكسب قوته: "لا تكسب إلا طيبًا، ولا تطلب إلا حلالاً، وإياك والحرام، فإنا نصبر على الجوع، ولا نصبر على النار".
فاتقوا الله -أيها الآباء والأمهات- في أولادكم، وأحسنوا تربيتهم، فإنها أمانة، فمن أداها على الوجه المشروع؛ كان من السعداء في الدنيا، الفائزين برضوان الله يوم القيامة، قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (الطور:21) .
إن الأسرة هي المحضن الأول الذي ينشأ فيه الأبناء، ورب الأسرة وزوجته كلاهما شريك الآخر في تلك المؤسسة الاجتماعية التي أمر الإسلام برعايتها والحفاظ عليها، ولا يمكن أن يتحقق النجاح للأسرة إلا إذا تعاون كل من الرجل والمرأة في تربية الأولاد، والولد يتأثر بوالديه في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته واتجاهاته الدينية والعقائدية.
ولقد عرف الأولون ما للأبناء من دور فعال في حياة الأمة؛ إذ هم الدم الحار الذي يتدفق في عروقها، والشمس الساطعة التي تضيء جوانبها، والسلاح القوي الذي يوجه إلى صدور أعدائها، والدرع الواقي الذي يحمي حماها ويحقق لها المجد والعزة، ولذلك؛ لما سأل معاوية الأحنف بن قيس عن مكانة الأبناء ودورهم في الحياة؛ قال الأحنف: "يا أمير المؤمنين هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصون كل جليلة، فإن طلبوا؛ فأعطهم، وإن غضبوا؛ فأرضهم، يمنحونك ودهم، ويحبونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً؛ فيملوا حياتك، ويودوا وفاتك، ويكرهوا قربك".
والوالد الذي يحوط أبناءه بالحنان والرحمة مع التوجيه والتربية، ويتحرى الحلال في نفقاتهم وكسوتهم وطعامهم؛ يبارك الله في أولاده ويثيبه على قدر إخلاصه في هذه المهمة التي لا يستطيع القيام بها إلا أصحاب الهمم العالية من الرجال، وإن تربية الأبناء على هذا النحو الذي دعا الإسلام إليه لمن أسمى أنواع الجهاد.
وإذا كان الإسلام قد أمر الرجل بمراعاة أبنائه وتأديبهم؛ فقد أمر المرأة -أيضًا- بأن تساعد زوجها، وتتعاون معه في هذه المسئولية الضخمة؛ ليستقيم صرح الأسرة، ولا تؤثر فيه عوامل الفساد والانحلال.
ومِن هنا فإن المرأة التي تترك أولادها للتسكع في الشوارع والحارات، إنما ترمي بهم في الهاوية، وتحطم مستقبلهم بسبب ما يكتسبونه من عادات قبيحة، وبما تتعود عليه ألسنتهم من ألفاظ بذيئة يتعلمونها من رفقاء السوء، لذلك حض الإسلام المرأة على ملازمة أولادها ومتابعتهم في كل عمل يعملونه، فإذا رأت من ولدها انحرافًا؛ نهته وزجرته حتى لا يعود إليه مرة أخرى، وإن رأت منه استقامة في الخلق واعتدالاً في السلوك؛ كافأته وحاطته بالحب والحنان؛ ليشب على هذا الخلق، وتعوده الشجاعة والإقدام، وتحذره من الجبن والضعف، ولا تكثر من تدليله إلى الحد الذي يفسد خلقه، ويقتل فيه روح الشهامة والرجولة.
وهذه التربية لا بد أن تشمل جوانب الشخصية كلها، فلا بد أن ينشأ الأولاد على عقائد سليمة، وعبادات صحيحة، وأخلاق وسلوكيات قويمة، وعلى التزام الحلال واجتناب الحرام، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فأول وصية لقمان لابنه: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان:13) .
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: ( يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ؛ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ؛ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ؛ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ؛ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، فهذه مسائل عظيمة في العقيدة والتوحيد يعلمها النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الغلام.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) (رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للحسن لما أخذ تمرة من تمر الصدقة: ( كِخْ كِخْ )؛ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: ( أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟! ) (متفق عليه، وهذا لفظ البخاري) .
وقال الله -تعالى- في وصية لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ . وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) (لقمان:17-18) .