نصرة الإسلام بالبينات والحديد
إيهاب الشريف • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيقول الله -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحديد:25) .
يخبر الله -تعالى- في هذه الآية أنه أرسل رسله ( بِالْبَيِّنَاتِ )، أي: المعجزات والحجج الباهرات والدلائل القاطعات، والتي يتبين ويتضح لكل مَن قرأها وسمعها أنها الحق، وأنها من عند الله -عز وجل-.
وهذه البينات تشمل المعجزات التي أيد الله بها أنبياءه ورسله، وتشمل كذلك ما أنزله الله -تعالى- من العقائد الواضحة النيرة، والشرائع المستقيمة العادلة.
( وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ.. ): وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وإنزال الكتاب؛ لأجل الفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما في قوله -تعالى-: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة:213) .
و( الْكِتَابَ ): متضمن لما جاء به الأنبياء من البينات في أمور العقائد والعلوم، والتصورات والأفهام، وفيما يتعلق بالأعمال والسلوك، والإرادات والمقاصد.
( وَالْمِيزَانَ ): هو العدل والحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة، فلما أنزل -سبحانه وتعالى- الميزان المادي المحسوس لتوزن به الأشياء المحسوسة، وجعله بين الناس ليعرف العدل -هذا يساوي هذا، وهذا لا يساويه-، فهو -سبحانه- أنزل الكتاب لتوزن به أفكار الناس وعقائدهم وأعمالهم.
ولذا كان "القياس الصحيح" هو مما أنزله الله -تعالى-، وهذه الآية يستدل بها العلماء على حجية القياس، وهو من الأدلة المتفق على الاحتجاج بها عند أهل السنة.
وإذا كانت التسوية بين المختلفين والتفرقة بين المتساويين قبيحة في الأمور المحسوسة، وهو من الظلم والعدوان -كما يقع من تطفيف في المكاييل والموازين وغيرها.. فأولى من ذلك ألا يُسوى بين المختلف مِن الأقوال والأعمال، والعقائد والتصورات، فلابد من التفرقة بين الحق والباطل، فنسوي بين ما سوى الشرع، ونفرق بين ما فرق.
فالشريعة نزلت ليقوم الناس بالعدل الذي شرعه الله، ولم تنزل ليكون الناس منها في شق، لا دخل لهم بها أو أن يأخذوا منها ما يناسبهم -في ظنهم-، ويردوا الآخر!
فلا يجوز أن تُنحى الشريعة عن حياة الناس؛ إذ لا قيام لحياتهم ولا تحقيق للعدل إلا بالقيام بها، والأخذ بما أنزله الله -عز وجل-، كما لا يجوز أن يتحاكم الناس إلى ما يرونه عدلاً دون شرع الله -عز وجل-، ولا عدل ولا قسط إلا في شرع الله -سبحانه-.
ولذلك فإذا لم يقم الناس بالكتاب والميزان الذي أنزله الله فإنهم لم يقوموا بالقسط، لم يقوموا بالعدل؛ ولذا يكون الضرر والفساد في المعاش والمعاد.
ولكن ما العمل نحو مَن لم يستجب لذلك؟!
هل يترك وشأنه؟!
ماذا نفعل معه؟!
هل يترك لينشر في الناس الظلم والفساد؟!
ما موقفنا منه كما قررت هذه الشريعة الحكيمة العادلة؟
الموقف توضحه نفس الآية: ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ).
يقول ابن كثير -رحمه الله-: "أي وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة تُوحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان إيضاح للتوحيد، وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على مَن خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام -الرؤوس- لمن خالف القرآن، وكذب به وعانده؛ ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يعني السلاح: كالسيوف، والحراب، والسنان، والنصال، والدروع.. ونحوها" اهـ .
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ودين الإسلام أن يكون السيف تابعًا للكتاب؛ فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعًا لذلك كان أمر الإسلام قائمًا" (مجموع الفتاوى20/393) .
وقال -رحمه الله-: "فمن عدل عن الكتاب قـُوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف" (مجموع الفتاوى28/264) .
إذن مَن لم يقبل البينات الواضحات، ولم يقبل الكتاب والميزان والعدل الذي شرعه الله كان له الحديد.. نعم لا نكره أحدًا على الإيمان إذ ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (البقرة:256) ، بل: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (الكهف:29) ، فلا يجبر في خاصة نفسه على الدخول في هذا الدين وقبوله، ولكن ليس من حقه أن يفرض الكفر والضلال على غيره من الناس؛ فله الحديد؛ ليمنع من فرض ظلمه وطغيانه على الناس؛ ولِتُزال الحواجز بين الناس وبين الحق الذي أنزله الله.
يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) ، بالجهاد في سبيل الله -تعالى-، والذي مِن مقاصد إزالة الطواغيت التي تحول بين الناس وشرع الله -عز وجل-؛ لإيصال الحق إلى الخلق، ثم يترك لهم الاختيار، ولا يكره أحد منهم على الإسلام.