نصرة الإسلام بالبينات والحديد
إيهاب الشريف • المنهج السلفي
فرض الجهاد لإقامة القسط في الأرض كلها.. لإعلاء كلمة الله -تعالى- على أرضه وبين خلقه؛ فلا تترك بقعة يعلوها كلمة الكفر: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (الأنفال:39) ، أي لا يكون شرك وصد عن سبيل الله -تعالى-، ويكون الإذعان لأحكام الإسلام، ويكون هو العالي على سائر الأديان، مع التأكيد على أن من اختار دينًا غير الإسلام في خاصة نفسه فلا يجبر على تركه، إذن لا يقف أبدًا أهل الإسلام موقف المتفرج ممن خالف ( الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ )؛ لأنهم خير أمة أخرجهم الله -تعالى- لتصحيح أحوال العالم مِن حولهم وفق شرع الله -تعالى-.
والحق لابد له من قوة تؤيده.. وإذا كان الحق يبدأ ضعيفًا لِحِكَم يعلمها الله -عز وجل-، لكن لا بد بعد حين مِن تأييده بقوة الحديد، أما الحق الضعيف فالباطل يتغلب عليه، بل ويسعى لمحوه وإزالته.
فالبينات والهدى والكتاب لمن يَعقل، وأما من كابر وعاند بعد بيان الحجج فله الحديد؛ فهكذا بُعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذا كان أصحابه من بعده.
لا يمكن أبدًا أن تترك الأجيال تتربى على غير الإسلام وتُظلم بمنعها من نور الحق.. لا يحق لنا أبدًا أن نترك الفساد والظلم ينتشر في العالم طالما كان في قدرتنا منع ذلك.
هذا دين الله وهم خلقه، والأرض أرضه؛ فلابد أن يعلوها شرعه وحكمه.
( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ).
يقول السعدي -رحمه الله-: "أي ليقيم -تعالى- سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسوله في حال الغيب التي ينفع فيها الإيمان".
وهو -سبحانه- يعلم ما كان وما سيكون، قد علم -سبحانه- ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، لكن المراد بالعلم هنا علمًا آخر غير العلم الأزلي، علمًا سيحاسبهم -سبحانه وتعالى- عليه على ما فعلوه ووقع منهم، فهو يحب أن يرى من ينصره ورسله بالغيب، وهذه النصرة.. للحديد دخل فيها بلا شك، كما يكون من استعماله في نصرة المظلومين، وفي رفع الظلم، وحماية الأهل والمال والنفس، وكذا في الجهاد في سبيل الله -عز وجل-.
( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ): لا يحتاج -سبحانه- إلى عباده، بل هو غني عنهم، لكن الاختبار والابتلاء للعباد، وهو -سبحانه- القوى الذي لا أقوى منه، العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع.
هـو الـقـوي له الـقـوى جـمـيـعـًا تعالى رب ذي الأكوان والأزمان
وإذا كان هذا وصفه فلا يتوكل العبد إلا عليه؛ لأنه وحده الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإذا أراد أمرًا لا راد لأمره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وحينها يستهين بقوة غيره من المخلوقين؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم، فينطلق العبد حينها مجاهدًا لإقامة شرع الله -عز وجل- مستشعرًا أن معه القوة التي لا تغلب، والفئة التي تهزم.
ومن اسمه -تعالى- العزيز يشهد العبد نفاذ حكمه -سبحانه- وأمره في عباده، وتصريف قلوبهم على ما يشاء، وهذا ما لا يقدر عليه سواه -سبحانه-، ثم هو يشعر بالاستعلاء على الباطل وأهله والاستعانة بهم، وعدم الاستكانة لهم مهما تسلطوا أو تجبروا؛ إذ غاية ما يقدرون عليه الأذى الظاهري ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (المنافقون:8) ، ومصدر هذه العزة هو الاعتزاز بالإسلام، فـ"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".
ولما ركنت الأمة إلى الكافرين، وابتغت العزة عندهم، واتخذت دينها ظهريًا وسمح للمنافقين والكافرين الاستهزاء به وتنقصه، ووصفه بأنه لا يصلح لعصرنا، وغير ذلك من الشبه الباطلة.. لما كان ذلك ذلت الأمة بعد عز وهانت، بل صار البعض يستحيي مِن أحكام الإسلام، ويشعر بالقزامة! فكيف تنتصر أمة بهذا الوصف؟!
ولعل ختم هذه الآية بهذين الاسمين إشارة إلى الاعتزاز به -سبحانه-، وصدق التوكل عليه في الأخذ بتعاليم هذا الكتاب الذي أنزله الله -عز وجل-، والقيام في الناس بالعدل والميزان، وإزالة الطواغيت التي تصر على نشر باطلها، وإجبار الناس عليه باستعمال الحديد الذي أنزله الله فيه بأس شديد، فتكون النصرة التي أرادها الله -عز وجل- من عباده المؤمنين.
نسأل الله أن يجعلنا ممن ينصره ورسله بالغيب. آمين.