"السلمي".. اتحاد الدويلات المصرية ذات النظام المدني
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن المتفق عليه أن الديكتاتورية هي أسوأ نظام حكم، ولكن ما هي أسوأ صورها؟
مِن وجهة نظري: إن الديكتاتورية التي تلبس ثوب مشاركة الشعب في الحكم (الشورى أو الديمقراطية) هي الأسوأ على الإطلاق؛ لأن "الديكتاتور المتخفي" يجيد التهرب من المسئولية، ويلقيها على الشعب الذي يزعم أنه قد استشاره!
ولهذه صور متعددة ألصقها في الذهن صورة "النظام السابق" الذي كان يأتي بأصحاب المصالح ليمثلوا الشعب شاء أم أبى!
تجلت آخر صورها في "مجلس عز" منزوع المعارضة، وقبله كان أستاذه "صفوت" يكتفي "بأغلبية مريحة" قادرة على تمرير أي قرار أو قانون! تاركًا بعض مقاعد للمعارضة تبدي بها شيئًا من آراء "الشعب الحقيقي" حتى إذا جدَّ الجَد، وحانت ساعة التصويت؛ لا يجد وقتها "فتحي سرور" أي عناء في عد غنماته؛ لأن "الأغلبية المريحة" تضمن له أن يقول: "موافقة".. هكذا دون عد!
وأما "القذافي": فاختار صورة أن يستشير الشعب كله "هيلا بيلا" عبر آليات نظن أنها سوف تبقى سرًا أبد الدهر؛ ليخرج بعدها بـ"قراراته الجماهيرية"!
وبالطبع لا بد لكل ديكتاتور من حدث تاريخي يمثل المشروعية التي يحكم بها حتى ولو تَخفى وراء شعار: "كلنا بنحبك يا ريس"، كما هو الحال للـ"ضربة الجوية الأولى" في حالة "مبارك"، و"قيادة الثورة الليبية" في حالة "القذافي".
ويبدو أن نمط الديكتاتور المتخفي قد أعجب كل مَن يتولى منصب "نائب رئيس وزراء مصر" بعد الثورة؛ سواء كان "الجمل" أم "السلمي"! وهكذا وبدون ضربة جوية أولى، ولا ثانية، خرج علينا الدكتور "علي السلمي" بوثيقة، قال: إنه استشار فيها منظمات المجتمع المدني، والنقابات، و.. و..
ولولا الملامة؛ لخرج علينا بالهتاف الذي كان أتباع الحزب الوطني المنحل يرددونه: "إن الأجنة في بطون أمهاتها تهتف لوثيقة علي السلمي".
وعندما اعترض المعترضون على الوثيقة الدستورية من حيث الشكل؛ لأنها ببساطة ليست دستورية! وسأل السائلون عن الحكمة من إقرارها دون انتظار للمسار الذي حدده الإعلان الدستوري الذي تولى هو بموجبه منصبه؛ برر العجلة أن البرلمان القادم سوف يسيطر عليه تيار واحد، ومِن ثَمَّ سوف يحتكرون كتابة الدستور!
ولا أدري: أين عشرات الأحزاب، ومئات النقابات، و.. و.. الذين قاربوا في زعمه أن يمثلوا إجماعًا وطنيًا؟!
الحاصل أن: الدكتور "علي السلمي" يُمثـِّل بتلك الوثيقة ديكتاتورية فشلت حتى في ارتداء "الثوب الديمقراطي"، فإذا استصحبنا أن هذه الديكتاتورية تتم في الدستور الذي لا ينبغي أن يأتي إلا باستفتاء شعبي عرفنا ما تستحقه هذه الوثيقة مِن وصف، إذن ففكرة هذه الوثيقة من حيث المبدأ فكرة بالغة السوء؛ بحيث إنهم لو عرضوا علينا أن نكتبها بأيدينا لرفضنا؛ لأننا باختصار نريد دستورًا سليمًا من الناحية الإجرائية.
طبعًا من حق أي قوة أو مجموعة قوى أن يصدروا وثيقة تمثلهم يخاطبون بها الرأي العام، وأما أن يتبنى "مجلس الوزراء" لوثيقة فضلاً أن يطالب "المجلس العسكري" بإصدار إعلان دستوري بها؛ فهذه هي الديكتاتورية بعينها!
ولكن السؤال: هل هناك ما هو أسوأ من فكرة الوثيقة؟
الإجابة: نعم. إن مضمون وثيقة الدكتور "السلمي" أسوأ بكثير من فكرتها، وسقطاتها أوضح من أن تعد.
ولكن سوف نكتفي هنا بأمرين:
الأول: النص على مدنية الدولة.
الثاني: تمزيق الدولة.
أما الأول: فنافح الدكتور "علي السلمي" عن مدنية الدولة "منافحة الأم عن ولدها"، ورغم ما قرره غير واحد -ومنهم غير الإسلاميين- على أن هذا مصطلح غير علمي، منهم: الدكتور "ضياء رشوان"، ورغم اعتراض الإسلاميين عليه على أساس أن كلمة المدنية إذا أضيفت إلى الدولة لا تعني إلا "الدولة اللا دينية"، لا سيما وأن هناك مَن يصرح بهذا، مثل: "أحمد عبد المعطي حجازي"!
ورغم أن "وثيقة الأزهر" وجدت حلاً عمليًا للمسألة حين نصت على أن دولة مصر: "دولة دستورية قانونية، وطنية حديثة، مرجعية التشريع فيها هي الشريعة الإسلامية". وهي صياغة كما ترى جمعت كل ما يحويه وصف المدنية من فضائل في ذات الوقت التي ابتعدت فيه عن شبهة اللفظ الذي يوهم اللا دينية، وهي طريقة شرعية علمنا الله إياها حين قال: ( لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ) (البقرة:104) , ورغم حضور الدكتور "السلمي" بنفسه مناقشات "وثيقة الأزهر"؛ إلا أنه ما زال يصر عليها، بل صرح أنها غير قابلة للمناقشة، ثم بعد ذلك يدعو الإسلاميين للمناقشة!
ثم جاءت الصيغة النهائية لتعلن صاعقة، وهو تراجع الدكتور عن تعبير "دولة مدنية" إلى تعبير "نظامها مدني"، وهي صياغة تستوجب منا أن نغلق كل هذه المناقشات الدستورية لنحتكم إلى مجمع اللغة العربية -"ولولا اعتبارات السن والوجاهة لقلت نعود إلى صفوف الدراسة المبكرة جدًا جدًا"- لنسأل أهل العربية ومدرسيها ودارسيها عن تلك "النكتة اللغوية"، وهذه "العطية السلطانية" التي يأمل معها "مولانا السلطان" أن نقبل الوثيقة بعد ما تفضل وتكرم، وجعل نظام الدولة مدنيًا بدلاً من أن يجعل الدولة ذاتها مدنيًا!
والذي فات "صاحب تلك النفحة"، و"صائغ تلك التحفة": أن الذي يُعنى بوضعه في الدستور، هو: "نظام الدولة"، فتعبير دولة مدنية إذا ورد في وثيقة دستورية فهو يكافئ تمامًا تعبير: "دولة نظامها مدني".
وأما أكبر أخطاء تلك الوثيقة على الإطلاق فهو: "إقحام وصف موحدة"، في قوله: "مصر دولة ديمقراطية موحدة"، وكان يمكن أن نحسن الظن ونقول: إن الخطأ هنا هو الخطأ العكسي تمامًا لخطأ تغيير تعبير "الدولة المدنية" إلى "الدولة التي نظامها مدني"، فنقول: إن معد الوثيقة قد يكون قد استحكمت العجمة من قلمه ولسانه؛ فلم يدر الفرق بين "الواحدة" و"الموحدة"، وأن بوسعنا أن نحمل القضيتين إلى مجمع اللغة العربية؛ فيُقضى بيننا وبين المحرر الأعجمي لوثيقة الدكتور "علي السلمي".