"السلمي".. اتحاد الدويلات المصرية ذات النظام المدني
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
إلا أن تمام الوثيقة قد أفصح أن كاتبها قد أصابت العجمة قلبه وعقله، فظن أو تمنى أو.. أو.. ثم وجد طريقه إلى وثيقة دستورية أُريد لها أن تعد بليل، وأن تكتسب مشروعية الدساتير الشعبية؛ فمرر تلك الكلمة التي يبدو أنه يدرك معناها، ويعرف مغزاها، فقام بدسها في الوثيقة على أساس أن رافضي الوثيقة سوف تسحر أعينهم عبارة: "الدولة التي نظامها مدني"، ولن ينتبهوا إلى أن "السوس" في طريقه إلى الدولة ذاتها -حدودها الجغرافية- بعد ما ظن أنه قد أكل نظامها فأراده عالمانيًا، وقد أراده عامة سكانها إسلاميًا.
والدليل على ذلك: أن الوثيقة قد تولد عنها في صورتها الأخيرة وثيقة اختيار الهيئة التأسيسية فنزعت عن البرلمان المنتخب حق استكمال الدستور بعد ما نزعت الوثيقة الأم عنه حق وضع المبادئ الأساسية للدستور، وواضح أن صاحب فكرة الدولة الموحدة هو نفسه صاحب تلك الفقرة الإبليسية، والتي احتوت عليها الوثيقة الثانية، والتي تنص على أن: "الأماكن ذات الطبيعة الثقافية الخاصة يجب أن يكون لهم حضور وتمثيل في الهيئة التأسيسية". وقد حددت الوثيقة تلك الأماكن (سيناء - الوادي الجديد - للنوبة - حلايب وشلاتين) يعني الشرق والغرب والجنوب هي في حس واضع الوثيقة مناطق ذات طبيعة ثقافية خاصة، ولم يبق إلا أن يخرج علينا مَن يستنكر استئثار الشمال بوضوع الدستور ووظائف الدولة إلى آخره.. "يعني السودان شمال وجنوب وغرب".
وفي حدود علمنا أن أهم مقومات الثقافة هي: "الدين واللغة"، وهذه الأماكن يتكلم أهلها العربية و95% منهم بالإسلام كسائر أنحاء مصر، بل ربما كانت نسبة الإسلام فيهم تقارب المائة بالمائة، وحتى غير المسلمين فقد قالها "مكرم عبيد" قديمًا، و"رفيق حبيب" حديثًا: "أنا قبطي الديانة مسلم الثقافة".
ولا أدري ما الذي حدا بكاتب الوثيقة أن يعتبر أن هذه المناطق ذات طبيعة خاصة: هل لأنهم يرتدون الجلباب؟! فإن 70% من شعب مصر يرتديه، ونحن -بحمد الله- نرتدي كل ما أباح الله، والذي مِن أحبه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القميص الذي نسميه في اللغة الدارجة جلبابًا أو جلابية.
أم هل لأن لهم بعض العادات الخاصة في مناسباتهم الاجتماعية؟! فإن لكل محافظة في مصر بعض التميز في العادات بما لا يرقى قط إلى أن يُسمى تميزًا ثقافيًا، ولو كان هذا تميزًا؛ فدونك السكين فاعملها في الوطن مشرقًا ومغربًا، ومقبلاً ومدبرًا، حتى لا تدع فيه قرية ولا نجعًا إلا وعزلته عن الوطن الأم ثقافيًا، ثم بعد الثقافة تأتي السياسة التي ينبغي أن تكون مرآة للثقافة، وما لم يقتطع بالسياسة قطعته الأمم المتحدة التي تعمل على تمزيقنا!
فيا صاحب فكرة الدولة الموحدة: إن إقليم مصر عندما انضم إلى دولة الخلافة الموحدة احتفظ بحدوده كإقليم واحد داخل تلك الدولة الموحدة، وعندما جاءت "سايكس - بيكو" لتقسم المغرب العربي إلى دويلات: (المغرب - تونس - الجزائر)، وتقسم الشام إلى دويلات: (سوريا - لبنان - الأردن - فلسطين) لم تستطع أن تفعل مع مصر إلا أن فصلت عنها الأقاليم الموحدة معها، وآخرها: "السودان" لتترك مصر دولة واحدة عبر التاريخ.
والآن وقد أصبح العالم الغربي يريد نصرًا بلا حرب، ولكن فقط تمرير لفظ يَسير له دلالاته، وسابقة دستورية لها ما بعدها، يقتنع به مسئول في الدولة أو يدسها له مستشار أعجمي، أو خبير في شئون الدساتير المدنية، والمطلوب من القوى السياسية أن توقِّع؛ وإلا قيل -كما نسب في تصريح-: "إن الجميع موافق فيما عدا الإخوان، والسلفيون، والجماعة الإسلامية، والأحزاب ذات المرجعية الدينية، وحزب الوسط".
اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.