شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الرواحل

وائل سرحان • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الدعوة إلى الله اليوم واجب الأمة الإسلامية جمعاء، كل حسب قدرته وإمكاناته، إلا عاجز معذور، ومع أهمية ذلك الواجب إلا أنك تلحظ لدى بعض المنتسبين للصحوة ضعف استشعار المسؤولية والغفلة عن استحضار ذلك الواجب، فلا يشعر بأنه مطالب بعينه بالنهوض بالأمة ومداواة عللها وتضميد جراحها، وتجد بعض من يتمنى أن توكل إليه المهام الدعوية فإذا أوكلت إليه تراه لا يقوم بها خير قيام، ولا ينهض بها كما ينبغي! فتراه متراخيًا في إنجاز المهام، ضعيفًا في أداء الأعمال.

وتجد أعمالاً هامة معطلة؛ لأنه لا يصلح لها كثير من الناس، ينظر الدعاة إلى الله ويقلب أحدهم ناظريه فيمن حوله ليجد من يقوم بالمهام الدعوية وينجزها بجد وعزم وإكمال دون تراخ أو إخلال فيرتد إليه البصر خاسئًا وهو حسير.

إن شكوى عمر -رضي الله عنه-: "اللهمَّ إنِّي أشكُو إليك جَلَدَ الفاجرِ وعجزَ الثقةِ" هي عين شكوى الدعاة إلى الله الآن، لأنها في وقتنا حقيقية واقعة، ماثلة للعيان.

كثيرًا ما يمثل بعض المنتمين إلى الصحوة الإسلامية دور الغثاء فـ"ليس ضعف أمتنا بسبب قلة عددنا، ولكن بسبب الغثائية التي أنهكتها وأصبحت تخدعنا عند الأزمات".

إن دعوتنا وأمتنا كما أنها بحاجة إلى العاملين إلا إنها بحاجة أشد إلى الجادين الكفء من العاملين، أولئك الذين عندهم من الإصرار على القيام بالأمر المنوط بهم، والجدية في تحقيق الغاية من المهمة، المشمرون عن ساعد الجد إذا أوكلت إليهم الأعمال، أصحاب العمل النشيط الدءوب، أولئك الذين لا يعرفون إلا مبدأ العزم والفاعلية، فمهمتنا اليوم كبيرة.

تحتاج الدعوة الآن إلى أولئك الذين احترفوا إتقان الأعمال وأدمنوا إحسانها، تحتاج إلى أولئك الذين فهموا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مراده في حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) (رواه مسلم) .

فكما أن هذا يعود على الذبيحة بتخفيف الألم فإنه توجد قيمة أخرى كبيرة وهي أن يتعود المسلم "الإحسان"، الأداء الحسن، الأداء الكامل، الأداء المتقن، الأداء الجميل، إن الإسلام لا يكتفي بأداء الأعمال -كل الأعمال حتى الذبح والقتل- على أية صورة، وإنما يتطلب "الإحسان " في الأداء".

فالمسلم مطالب بالإتقان والإحسان، وهو لا يسعه إلا أن يكون محسنًا حتى لو لم ير ثمرة إتقانه وإحسانه، فلا ينبغي أن يكون هم المرء هو مجرد الرغبة في تولي الأعمال والفرح بذلك والركون إليه، إنما المطلوب هو إتقانها وإكمالها وإتمامها، فهذا ما يحبه الله -تعالى- منا، حتى ولو لم يظهر لنا أثر ذلك الإتقان، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَن يُتقِنَهُ ) (رواه البيهقي وأبو يعلى وابن عساكر، وحسنه الألباني) ، وروي بلفظ: "أن يحكمه".

فكما أن المرء عليه أن يعمل حتى لو لم يكن سيرى نتيجة سعيه، فإنه إنما يعمل من أجل الأجر كما في حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ) (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) ، فكذلك عليه أن يتقن العمل لينال حب الله، فإنما يحب الله الإتقان والإحسان في العمل، وأمر الدعوة إلى الله والعمل لدين الله أشد حاجة إلى الإتقان والإحسان والإتمام والإكمال من أي عمل دونه.

علينا أن نكون كأبي دجانة حينما أخذ السيف أخذه بحقه فقد قال -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد: ( مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا ). فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا أَنَا. قَالَ: ( فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ ). قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ. (رواه مسلم) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعليّ: "لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ الْقِتَالَ الْيَوْمَ لَقَدْ صَدَقَ مَعَكَ الْقِتَالُ الْيَوْمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَسِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ" (أخرجه ابن إسحاق في سيرته معلقًا، وعنه الحاكم في المستدرك وصححه، وسكت عنه الذهبي) (أسد الغابة، بتصرف واختصار) .

إنها القوة في أداء الأعمال والجدية في إنجاز المهمات، هكذا كان السلف -رضي الله عنهم- حتى في عباداتهم، فهذا سعيدُ بنُ المُسَيّب -رحمه اللهِ- يقول: "مَا دَخَلَ عليّ وقتُ صلاةٍ إلاّ وقد أخذتُ أهبتها". وقَالَ: "مَا فاتتني التكبيرةُ الأولى منذُ خمسينَ سنة، وما نظرتُ في قَفَا رجلٍ في الصلاةِ منذُ خمسينَ سنة". وقَالَ عنه مولاه بُرْدُ: "مَا نُودي للصلاةِ منذُ أربعين سنة إلا وسعيدٌ في المسجد".

نحتاج إلى هذه القوة في تحمل أمانة الدعوة إلى الله، القوة في أداء الأعمال -أي أعمال- تلك القوة التي أرشدنا الله إليها في كتابه، فها هو يحيى -عليه السلام- يُنادى ليحمل الأمانة الكبرى بهذا النداء: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) (مريم:12) ، "نودي ليحمل العبء، وينهض بالأمانة في قوة وعزم، لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع".

فينبغي على الفرد أن يضع طاقاته في أحسن حالاتها، وفي أقصى توترها ( خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ )، ينبغي أن نتعلم الْكِتَابَ ونأخذ تعاليمه وندعو إليه ( بِقُوَّةٍ )، بجدٍّ وحرصٍ واجتهادٍ، فالله وهب يحيى ( الْحُكْمَ صَبِيًّا )، وهبه الفهمَ والعلمَ والجدَّ والعزمَ، والإِقبالَ علَى الخيرِ، وَالإكبابَ عليه، والاجتهادَ فيه" (ابن كثير بتصرف واختصار) .

الصفحة التالية