شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الرواحل

وائل سرحان • مع الدعاة

وهذه القوة وذلك العزم أمر به موسى -عليه السلام-، قال -تعالى-: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) (الأعراف:145) ، بـ"جد وعزيمة وحزم، فإنه -عليه السلام- قد أنيط به تكوين شعب جديد بتربية جديدة شديدة، مخالفة كل المخالفة لما نشأ عليه من الذل والعبودية لفرعون وقومه، ومن الشرك والوثنية ومفاسدها، فإذا لم يكن المربي لهؤلاء القوم والمرشد لهم صاحب عزيمة قوية وبأس شديد وعزم ثابت، فإنه يعجز عن سياستهم وتربيتهم، ويفشل في تنفيذ "مهمته ودعوته" (تفسير المنار بتصرف واختصار) .

ولقد خوطبت بنو إسرائيل بنفس هذا التوجيه: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ ) (البقرة:63) ، "بجد في تأدية ما أمركم فيه وافترض عليكم من غير تقصير ولا توان" (راجع الطبري) ، "اعملوا بجد ونشاط، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف، ولا يصحبها وهن" (تفسير المنار) ، "ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل -بصفة خاصة- بعد ما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه" (الظلال) ، وما أحوجنا نحن إلى ذلك التوجيه، وفي مثل هذه الأحوال.

فأمر الدين والدعوة خاصة بعد طول قهر وإبعاد "لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة، إنه عهد الله مع المؤمنين، وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق .. وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه هي طبيعته، إنه أمر عظيم، أعظم من كل ما في هذا الوجود، فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة، المصمم على هذه التكاليف، ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة، ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم" (السابق باختصار) .

تحتاج دعوتنا إلى ذلك العبد التقي فمع كونه خفيًّا إلا إنه راحلة ضخمة، إنه ناجح في كل أعماله، ينجز أي عمل أوكل إليه، فإذا كان في الحراسة ملأ مكانه وسد ثغرتها وإذا كان في الساقة سد ثغرتها.

تحتاج إلى ذلك الذي لا يعرف الرخاوة ولا التميع، ولا يعرف إلا الجد والقوة، أينما حل أفاد، وكل عمل أوكل إليه أنجزه، فارس في كل الميادين، لا يعرف الخلود إلى الراحة والدعة، يتحمل تبعات الدعوة وآلامها وثقلها، لا يكل ولا يمل، ولا يضعف ولا يستكين مهما كان العمل ومهما كانت مشاقه وتكاليفه وتبعاته، هكذا الربانيون أتباع الأنبياء، وهذه هي صفتهم: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:146) ، "هذا هو شأن المؤمنين، المنافحين عن عقيدة ودين،الذين لا تضعف نفوسهم،ولا تتضعضع قواهم، ولا تلين عزائمهم، ولا يستكينون أو يستسلمون" (السابق باختصار) ، إنهم العلماء الأتقياء الصُبُر، كما قال جعفر وابن المبارك (الطبري) .

نحتاج إلى مثل هؤلاء.. إنهم الرواحل الذين عناهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةِ لا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ) (متفق عليه) .

إن المرء ليعجب حينما يرى حقيقة هذا الحديث ماثلة للعيان، ويرى حوله الإبل الغثاء، ويصعب أن يجد من بينها واحدة تتحمل تبعات السفر ومشاقه، تصبر مع صاحبها حتى توصله إلى غاية سفره المنشودة، لكن يبزغ الأمل حينما يجد من بينها راحلة تعينه، يضع عليها ما يضع، ويحمل عليها ما يحمل فهي لن تكل ولن تضعف (1) .

كم نحن بحاجة إلى أولئك الرواحل، كم نتمناها كما تمناها الفاروق -رضي الله عنه- حينما "قال لأصحابه: تمنوا. فقال رجل: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله. ثم قال: تمنوا. فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق. ثم قال: تمنوا. فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح" (حلية الأولياء) .

إنه يتمنى الرجل الراحلة، وهو نفسه -رضي الله عنه- كان كأعظم الرواحل وأفضلها بعد الصديق -رضي الله عنهم- أجمعين، فقد كان يحسن ويتقن حتى في مشيه وضربه وصوته، قالت عنه الشفاء بنت عبد الله "كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع" (الطبقات الكبرى) ، هكذا هو جاد ناجح قوي في شأنه كله، إنه.. كراحلة الرواحل.

كم يعج تاريخنا المجيد وأسلافنا الأماجد برجال كهاتيك الرواحل! فلقد كان قدوتهم في ذلك ومعلمهم هو نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً ) يَعْنِي الشَمْس. (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو يعلى في مسنده، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن، وحسنه الألباني) ، أكبر مثال على العزم والتصميم، والجد والجدية، والهمة والفاعلية، فلا خيار له غير إنجاز مهمته إلا الموت "أو أهلك دونه".

وها هو صديق الأمة يصدح بكلمة لا تعني إلا إنه رجل كأعظم الرواحل يقول: "أينقص الإسلام وأنا حيّ". وقال: "والله لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين ما حللت لواءً عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"! فلا مناص ولا محيد عنده عن القيام بالأمر وإنجاز الأعمال مهما حالت دونه العوائق، فلا عوائق أمام هذه الرواحل، كم نحن بحاجة صادقة إلى صيحة صدق من راحلة صدوق: أينقص الإسلام وأنا حي!

وهذا سيف الله المسلول كان قادة الروم يسمعون بمجيئه فيفرون من المعركة؛ لأنه ما دخل معركة إلا فاز بها، ولقد كان -صلى الله عليه وسلم- يرسل فردًا واحدًا ليدعو بلدًا كاملاً أو دولة بأسرها؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قد أحسن صنع رجال كالرواحل التي عناها في حديثه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية