الرواحل
وائل سرحان • مع الدعاة
وهذا مثال آخر من أسلافنا الأماجد كراحلة من أكابر الرواحل؛ صلاح الدين الأيوبي كان كالوالهة الثكلى، فقدت وحيدها، يتململ في فراشه ويتقلب فيه، ولا يجد النوم سبيلاً إلى جفنيه، يقول لوزيره ابن شداد: "أما أسر لك حديثًا، إني أتمنى إن فتح الله عليَّ بيت المقدس أن أركب البحر أقاتل في سبيل الله كل من كفر بالله حتى يظهرني الله أو أموت"، كأنه يذكرنا بفاتح أفريقية -رضي الله عنه- حينما تم له فتح السوس الأدنى والسوس الأقصى أقحم جواد في مياه المحيط الهادرة، وقال: "اللهم اشهد أني قد بلغت الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد أحد من دونك.. اللهم لم أخرج بطرًا ولا أشرًا، وإنك لتعلم أنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تُعبد ولا يُشرك بك شيء، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا.. ثم انصرف راجعًا"!
فتأمل مدى شعوره بالمسئولية الكبرى التي حملها على عاتقه نحو تبليغ الإسلام وتقوية دولته والقضاء على دول الكفر التي حجبت نور الإسلام عن شعوبها، ما كان أكثر رواحلنا!
فإلى من تمنى أن يستخدمه الله -تعالى- في الدعوة إليه، إليه مثال صدق، تمنى فصدق، ووعد فأنجز وقضى نحبه، فهذا أنس بن النضر غاب عن قتال يوم بدر فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ لَئِنْ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ قَالَ سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (الأحزاب:23) (رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري) .
كم نحن بحاجة إلى الرجال الرواحل لا أنصاف الرواحل ولا أرباعها، هؤلاء هم صناع المستقبل، صناع الأمل، هم صناع الحياة، فإذا أردنا أن نصنع الفجر الباسم فعلينا أن نهتم بصناعة الرجال.. رجال كالرواحل.
إن "الإنسان هو أساس الحضارة، ولذلك يرتكز منهج التغيير الحضاري الإسلامي على صياغة الإنسان المسلم من جديد، فالطريق الصحيح للخروج بالأمة الإسلامية من دائرة الضعف أن نعود إلى منهاج الإسلام في التغيير الحضاري، فنقوم بتفجير الطاقات الكامنة في الإنسان المسلم، عندها نمتلك القدرة على القفز فوق كل الحواجز لتحقيق التقدم والإنجاز الحضاري" (البيان (99) مقال محمد بدري باختصار وزيادة) .
إن الأمة الإسلامية لن يكون لها مكان على خريطة المستقبل إلا إذا شمر أبناؤها كل منهم عن ساعديه، وتعبد لله في ليله ونهاره بالعمل الجاد الكثير.. وتاب من خطيئة الكلام الكثير والعمل القليل، وامتنعوا عن كثرة التنظير وقلة العمل، فكلماتنا "وأقوالنا تظل جثثـًا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بين الأحياء".
والحمد لله أولاً وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا ضير أن يكون الرجل لا يحسن عملاً ما أو ليس في طاقته وإمكاناته، فعليه حينئذ أن يتركه لغيره ولا يتشبث بما لا يستطيع فعله، ففي قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ ) (رواه مسلم) ، إشارة إلى أن مَن لم يستطع تحمل مسئولية عمل ما أن يدعه؛ لأنه لا يقوى عليه، لكن عليه كذلك أن يبحث عن عمل آخر يستطيعه يخدم به دين ربه ويعمل فيه من أجل دعوته، فالدعوة إلى الله مجالاتها كثيرة، كما أنها من فروض الكفايات، ومعلوم أن فروض الكفايات قد تتعين بصورة أو بأخرى، والدعوة إلى الله واجب كل وقت ومسئولية الجميع، أو كما قيل:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع