الفتور.. أسبابه ومظاهره وعلاجه
محمد الجهمي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مِن أخطر الأمراض التي تصيب العاملين في حقل الدعوة إلى الله: "الفتور"، وعندما يُذكر الفتور يتبادر إلى الذهن عند الكثيرين الفتور عن بعض العبادات الشخصية: كالصيام، والقيام، والذكر، وقراءة القرآن، ولكن -في الحقيقة- الأمر أعم من ذلك، والمفهوم -مفهوم الفتور- أوسع من ذلك، فيشمل: الفتور في طلب العلم، وفيما يتعلق بالسلوك والتربية، وفيما يتعلق بالدعوة إلى الله، وفي كل جوانب الدين.
تعريف الفتور:
فتر: أي سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، فالفتور: انكسار وضعف بعد صلابة وقوة، فالفتور مرض يصيب الأقوياء، ويفت في عضد كل من يتطلع إلى الكمال في الدين، وعلى هذا فإن الأمر يزداد خطورة؛ لأنه مرض يستهدف شريعة أهل الإيمان والعاملين المنتجين والمجتهدين في العمل والدعوة الذين تنهض بهم الأمة، وقد مدح الله المؤمنين بأنهم: ( يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ) (آل عمران:191) ، ووصفهم بأنهم: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) (السجدة:16) .
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى- أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ) (متفق عليه) ، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي؛ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ هَلَكَ ) (رواه أحمد والبيهقي، وصححه الألباني)، وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ ) (متفق عليه) .
قال القائل:
لكل إلى شأو العلا حركات ولكن عزيز في الرجال ثبات
ومِن ثّمَّ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: ( لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ) (متفق عليه) ، وفي "صحيح مسلم" عن حنظلة الأسيدي قال: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَمَا ذَاكَ؟! ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ؛ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فنَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ) ثَلاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم).
ومِن صفات الملائكة العظيمة التي ذكرها الله في سياق مدحهم أنهم : ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) (الأنبياء:20) ، أي أنهم في طاعة وعبادة دائمة.
والفتور من صفات المنافقين، كما قال -تعالى-: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (النساء:142) .
وقال الله -عز وجل-: ( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) (التوبة:42) . ثبطهم: يعني أخرهم عن الخروج، وذلك بسبب فتورهم وضعف همتهم، والركون إلى الكسل بدلاً من الاجتهاد والنشاط في ساعة الشدة، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) (رواه البخاري) .
الفتور يؤخر عن الوصول إلى درجة المحبوبية؛ لأن الوصول إلى ذلك لا يكون إلا بمواصلة الطاعة والجد والاجتهاد فيها، والنشاط الدائم بمواصلة الفرائض بالنوافل؛ لقول الله -تعالى- في الحديث القدسي: ( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي؛ لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي؛ لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ) (رواه البخاري) .
فيترتب على ذلك معية الله ونصرته وتأييده؛ لذلك قال الله -عز وجل- في معرض الإعداد لموسى وهارون -عليهما السلام- في مواجهة فرعون: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) (طه:41) ، أي: لا تفترا عن ذكر الله، ولا تضعفا عنه.