شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفتور.. أسبابه ومظاهره وعلاجه

محمد الجهمي • التزكية

الفتور يؤخر صاحبه في الدنيا؛ فيحرم الدرجات العالية في الجنة، فالفتور قصور، ومدة العمر قصيرة، فالتقصير في مدة قصيرة خسران بعيد، قال معاذ بن جبل: "لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله -تعالى- فيها".

مظاهر الفتور:

- الاستهتار بالأمانة وعدم استشعار المسئولية، وأهم الأمانات وأعظم المسئوليات: الدعوة إلى الله.

- التكاسل عن العبادات والطاعات، والإحساس بالثقل إذا أداها لا سيما الصلاة.

- ترك الشيء بعد المداومة عليه، أو عدم فعله بالكيفية المطلوبة، أو فعله مع عدم الرغبة فيه.

- ضياع الوقت، وعدم الاستفادة منه.

- التسويف والتأجيل، فما يمكن أداؤه في يوم يُفعل في أسبوع، بل في شهر.

- ضعف المشاعر الدينية تجاه ما يحدث للمسلمين ومقدساتهم وما يفعله الكفار في بلاد المسلمين.

- الفوضوية في العمل، وكثرة النقد للأعمال الإيجابية؛ تنصلاً من العمل.

- احتقار الطاعات والقربات التي يقوم بها الآخرون.

- كثرة الاعتذار والتهرب من العمل.

- استصغار الذنوب، وعدم المبالاة بفعل المنكرات.

- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- عدم الغضب عندما تنتهك حرمات الله.

- ترك طلب العلم وترك دروس العلماء، والقناعة بتحصيل القليل من العلم.

أسباب الفتور:

1- الوهن:

وهو ما فسره رسول -صلى الله عليه وسلم-: ( حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

أما حب الدنيا: فرأس كل خطيئة كما في الحكمة المشهورة، وهو أصل التثاقل إلى الأرض، وسبب الاستئسار للشهوات، والانغماس في الترف.

وأما كراهية الموت: فثمرة حب الدنيا والحرص على متاعها مع تخريب الآخرة، فيكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب، قال الطغرائي مبينًا حب السلامة في الانحطاط بالهمة والفتور:

حبُّ السلامة يثني عزمَ صاحبه عن المعالي ويغري المرءَ بالكسل

إن حب الدنيا وكراهية الموت صنوان لا يفترقان، وإن الهمة العالية لا تسكن القلب الجبان، فأين مَن هذا حاله ممن قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( طُوبَى لِعَبْدٍ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ الله، أشْعَثَ رَأسُهُ، مُغْبَرَّةٌ قَدَماهُ، إنْ كانَ في الحِراسَةِ؛ كانَ في الحِراسَةِ، وإنْ كانَ في السَّاقَةِ؛ كانَ في السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ؛ لَمْ يُؤذَنْ لَهُ، وإنْ شَفَعَ؛ لَمْ يُشفَّعْ )؟ (رواه البخاري) .

2- إهدار الوقت الثمين في الزيارات والسمر وفضول المباحات:

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ) (رواه البخاري) .

والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع

3- العجز والكسل:

وهما العائقان اللذان أكثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التعوذ منهما بالله -سبحانه وتعالى-، وقد يعذر العاجز؛ لعدم قدرته، بخلاف الكسول الذي يتثاقل ويتراخى عما ينبغي مع القدرة، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) (التوبة:42) .

وقد ترى الرجل موهوبًا ونابغًا فيأتي الكسل فيُخذل همته، ويمحق موهبته، ويطفئ نور بصيرته، ويشل طاقته، قال الفراء -رحمه الله-: "لا أرحم أحدًا كرحمتي لرجلين: رجل يطلب العلم ولا فهم له، ورجل يفهم ولا يطلبه، وإني لأعجب ممن وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم".

قال المتنبي:

ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام

4- الغفلة:

وشجرة الغفلة تُسقى بماء الجهل الذي هو عدو الفضائل كلها، قال عمر -رضي الله عنه-: "الراحة للرجال غفلة"، وقال شعبة بن الحجاج: "لا تقعدوا فراغًا فإن الموت يطلبكم". وسئل ابن الجوزي: "أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟!"، فقال: "عند نفسك من الغفلة ما يكفيها".

قال الله -تعالى-: ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) (الأنبياء:1) ، وقال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (ق:22) ، ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (مريم:39) .

5- التسويف والتمني:

وهما صفة بليد الحس، عديم المبالاة الذي كلما همت نفسه بخير إما يعيقها بـ"سوف" حتى يفجأه الموت، فيقول: ( رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) (المنافقون:10) ، وإما يركب بها بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، يدمن ركوبه مفاليس العالم.

قال رجل لابن سيرين: "إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح! فما تفسير هذه الرؤيا؟" فقال له: "أنت رجل كثير الأماني والأحلام".

قال الناظم:

وانتبه من رقدة الغفلة فـــالــعــمـر قــــلـيـــل

واطـرح سوف وحـتى فــهــمـا داءٌ دخــــيــل

وقال آخر:

مـن كـان مـرعـى عـزمه وهـمـومـه روض الأمـانـي لـم يـزل مـهـزولاً

6- مصاحبة من تغشاه الفتور ورقدت به همته:

الذي كلما هممت بالنهوض؛ جذبك إليه، وغرَّك قائلاً: "أمامك ليل طويل فارقد"، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ) (رواه مسلم) .

ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما الظن بالنفوس البشرية؟!

ولا تجلس إلى أهل الدنايا فإن خلائق السفهاء تعدي

7- العشق:

لأن صاحبه يحصر همته في حصول معشوقه فيلهيه عن حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) (الكهف:50) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية