ردًا على مقال: "استقيموا يرحمكم الله" لفهمي هويدي
أحمد الفيشاوي • قضايا معاصرة
ردًا على مقال: "استقيموا يرحمكم الله" لفهمي هويدي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي مقال للأستاذ الفاضل "فهمي هويدي" بعنوان: "استقيموا يرحمكم الله" بجريدة "الشروق" الأسبوع الماضى 9-10-2011 ، ذكر فيه كاتبه أن في صدره شيئًا من الدور الذي يقوم به السلفيون والصوفية في المجال السياسي بعد الثورة.
وعرض أوجه اعتراضاته في ثلاثة نقاط.. هي باختصار:
أولاً: انصرافهم عن العمل الاجتماعي والأنشطة الخيرية التي تصب مباشرة في خدمة الناس.
ثانيًا: أن السلفيين والمتصوفة دعاة وليسوا أهل سياسة.
ثالثًا: أن خطابهم يخوِّف الناس، وينفرهم منهم، ومن التيار الإسلامي في مجمله.
وفي نهاية المقال يذكر معرفته بأن "السلفيين ليسوا شيئًا واحدًا" و"أن التعميم قد يظلمهم.. ولكن إذا استقام كل على طريقته ولم يقحم نفسه على طرائق غيره؛ فإن ذلك قد يجنبنا كل تلك المحاذير".
هذا ملخص لأهم ما جاء في المقال، ولا شك أن الأستاذ فهمي له تقدير كبير واحترام لدى السلفيين، وغيرهم من التيار الإسلامي، وتوجيهه للنصح لهم مما يستوجب أن يشكر عليه.
ولا يمنع ذلك أن نناقشه فيما ينصحنا به ونخالفه؛ إذا لم يتبين لنا صحة كلامه، وأن نصحح له بعض ما بنى رأيه عليه، فإن الحكم على الشيء؛ فرع عن تصوره -كما يقولون-.
في هذا المقال رد "الأستاذ فهمي" على نفسه في آخر كلامه عندما ذكر أن السلفيين ليسوا شيئًا واحدًا، وهذا يكفي للرد على النقطة الأولى والثالثة دون النقطة الثانية، وكأن نصف ما نريد أن نقوله قد أوجزه هو في هذه العبارة.
فإذا كان "الأستاذ فهمي" قد رأى بعض السلبيات في بعض السلفيين فإن هذا لا يمكن سحبه على بقيتهم أو أغلبيتهم؛ لا سيما أن التيارات التي أعلنت عن تشكيل أحزاب واشتراكها في العمل السياسي أكثر تفاعلاً مع المجتمع، وخطابها الدعوى والسياسي أكثر انضباطًا ومسئولية، ولا يتسع المقام هنا لضرب الأمثلة أو المزايدة.
وعلى كل حال فإن ضعف الأداء الاجتماعي والخيري لبعض الفصائل قد يؤثر عليها بالسلب في حملتها الإعلامية أو على رأي بعض المصوتين، والتصويت هو الذي سيعطي كل فصيل وزنه الاجتماعي في النهاية، أما أن يستدعي ذلك قلقًا وحذرًا من الأستاذ فهمي، ومطالبة صريحة أو ضمنية بترك هذا المجال فلا ندري ما علاقة هذا بذاك؟!
ولو افترضنا أن بعض التيارات السلفية اهتمت بالدعوة ومنعتها بعض العراقيل من العمل الاجتماعي أو لم يسعها وقتها وجهدها ورأت أن عملها الدعوي أولى وأهم، فهل يلزم من هذا منعهم من العمل السياسي أيضًا، لا سيما أن العمل السياسي قد لا تقل فوائده على المجتمع من العمل الاجتماعي بمفهومه الكلاسيكي، بل العمل السياسي نفسه هو نوع من العمل الاجتماعي والدعوي في آنٍ واحد.
وهل خدمة الناس تنحصر في الجمعيات الأهلية أو المراكز الطبية والملاجئ ونحو ذلك؟!
وأي خدمة أعظم من أن تقي الناس شر القوانين المفسدة المجحفة التي تهدم المجتمع وقد تتسبب في إهدار قيمة كل أنواع الأعمال الاجتماعية الأخرى؟!
بل قد تصل -إن استتب الأمر للعلمانيين أو للمفسدين- إلى منع الدعاة من الدعوة، ومن الأعمال الاجتماعية أيضًا!
أو ليس مراقبة أداء الحكومة والإشراف على حساباتها والحفاظ على أموال الناس من الإهدار والاختلاس يدخل في قائمة العمل الاجتماعي؟!
فإذا كانت نصيحة "الأستاذ فهمي" مبناها أن هذا أنفع للمسلمين فهي -إذًن- موجهة للتيار الإسلامي في مجمله، وليس للسلفيين أو الصوفية وحدهم، وهو خلاف ما خص به "الأستاذ فهمي" حديثه، وهو خلاف الحقيقة أيضًا.
أما إذا كان "الأستاذ فهمي" يرى أن العمل الخيري والاجتماعي شرط لدخول العمل السياسي فكلامه حينئذ سيكون موجهًا -بالدرجة الأولى- للاتجاهات الأخرى غير الإسلامية التي طالما بررت فشلها السياسي بعزوفها عن العمل الاجتماعي والخيري وعدم اختصاص السياسيين بمثل هذه الأعمال، ولطالما تمنت منع الإسلاميين من مثل هذه الأعمال؛ حتى تقل شعبيتهم لدى الناس.
وعلى كل حال فالسلفيون -أو الإسلاميون عمومًا- حينما يقومون بمثل هذه الأعمال الخيرية لا يقومون بها من باب كسب الأصوات ونحو ذلك، وإنما هذا باب من أبواب الخير، كما أن العمل السياسي باب من أبواب الخير، وإذا انتفعوا من العمل الخيري في عملهم السياسي فهو نفع عفوي غير مقصود، ومن الخطأ الربط أو التأصيل لهذا النفع، ولا يوجد ما يمنع أن يكون أرشد الناس رأيًا في العمل السياسي ليس له مشاركة بالعمل الاجتماعي لا سيما إذا كان غيره يقوم به فيتكامل المجموع.
يبقى أن يقال: إن "الأستاذ فهمي" يرى أن العمل السياسي ليس من أبواب الخير أصلاً، وهو ما نعرف أنه لا يقصده، ولكن ما معنى قوله في مقاله في هذه النقطة: "وإذ يفترض أن تلك الجماعات منسوبة إلى رسالة الإسلام الذي هو رحمة للعالمين، فليس مفهومًا أن تترك كل أبواب الرحمة؛ لتحشر نفسها وتصرف طاقاتها في التشكيلات الحزبية والانتخابات النيابية والرئاسية والتحالفات التي تفرضها متطلبات التنافس السياسي كل حين".
فهل يرى "الأستاذ فهمي" فعلاً أن العمل السياسي ليس من الإسلام الذي هو رحمة للعالمين كما هو ظاهر الكلام؟! أم أنه من الإسلام غير أنه ليس من أبواب الرحمة؟!
أما قوله: "فليس مفهومًا أن تترك كل أبواب الرحمة" فكلام ليس له معنى لا حقيقة ولا مجازًا، وكنا ننأى بكاتب مثل "الأستاذ فهمي" عن مثل هذه اللغة في الحوار أو النصيحة أو حتى في النقد.
وكذلك قوله بعد ذلك: "لتحشر نفسها" بما له من دلالات سيئة كلها تصب إما في خانة الإقصاء الذي يتكلمون عليه، أو في خانة فصل الدين عن السياسة، أو على أقل تقدير -وهو ما يحاول الأستاذ فهمي الترويج له هنا- فصل الدعاة أو السلفيين عن السياسة، مع أن هذه هي البوابة الخلفية التي يحاول منها العلمانيون تمرير منهجهم في العمل السياسي بعد أن أخفقوا في التأصيل لفصل الدين عن السياسة، والتي انخدع بها بعض ذوى النوايا الحسنة والفهم المغلوط.
وعلى كل فإن دعوة الإسلام التي هي رحمة للعالمين ليست دعوة السلفيين وحدهم، بل هي دعوة التيار الإسلامي أجمع، بل والمسلمين جميعًا، فلماذا -إذن- خص "الأستاذ فهمي" حديثه عن فصيل معين؟!