ردًا على مقال: "استقيموا يرحمكم الله" لفهمي هويدي
أحمد الفيشاوي • قضايا معاصرة
هل يعني بذلك أن بقية الفصائل المنتمية للتيار الإسلامي والمشاركة بالعمل السياسي دعوتها مغشوشة -مثلاً-؛ وليست دعوتها من باب الرحمة؟ وإذا كان يراهم أهل سياسة لا أهل دعوة؛ فهل يدعوهم إلى البعد عن الدور الدعوي كما يدعو السلفيين للبعد عن الدور السياسي؟!
أما المجالات التي ينصح بها "الأستاذ فهمي" السلفيين أن يهتموا بها : كـ"التعليم ومحو الأمية، والصحة والنظافة العامة، والنشاط التعاوني، والنهوض بالحِرف والتدريب المهني، ورعاية الأحداث والمشردين"؛ فهي نصيحة جميلة، ولكن لا تتعارض مع العمل السياسي، وهذا وذاك من أبواب الخير لا سيما أن العمل الحزبي والسياسي يفتح أبوابًا واسعة لمثل هذه الأعمال.
أما مسألة "الخطاب التخويفي" الذي يخشاه "الأستاذ فهمي"، والذي يقول: "إن ضرره سيكون أكبر من نفعه"؛ فالسلفيون لا يتبنون في الأصل هذا النوع من الخطاب، وإذا وقع نوع من هذا؛ فعلى سبيل الندرة، ومن أفراد لا تعد من رموز التيار السلفي، بل ينصح رموزهم ومشايخهم دائمًا عامة الدعاة باستخدام الرفق أو ما يمكن أن نسميه بـ"الخطاب التطميني الحقيقي"، وليس المخادع؛ لأن الطمأنة دون تنازل عن ثوابت الدين تنبئ الجميع أنها نابعة من اعتقاد لا عن تقية وسياسة ميكافيلية، فإذا ضممنا إلى ذلك أن السلفيين مشهورون أنهم أكثر شفافية ووضوحًا ومصداقية من غيرهم؛ كان "خطابهم التطميني" هذا -لا سيما إذا كانوا محسوبين على القوة السياسية- أكثر فاعلية من خطاب غيرهم الذين قد يتهمون أن آراءهم المعلنة تختلف عن حقيقة ما يعتقدونه أو أنهم كان لهم آراء و فتاوى غير ما يقولون به الآن، فمهما قدموا من آراء بغرض التطمين؛ فالسلفيون سيكون خطابهم أكثر تطمينًا؛ لأنهم أكثر ثباتًا على منهجهم وأقوالهم.
أما إذا كان "الأستاذ فهمي" يقصد أن السلفيين صرحاء لدرجة لا تليق بالسياسة، وأنه ينبغي إخفاء أو تعديل -الذي هو في الحقيقة تحريف- بعض ما يعتقدون أنه من ثوابت الشريعة؛ فإنه في هذه الحالة سيكون هذا الأمر أدعى للمشاركة في العملية السياسية، لا الهروب منها؛ لأن انسحابهم من العمل السياسي حينئذٍ "ضرره أكبر من نفعه" بالمفهوم الشرعي الحقيقي لا على سبيل الظن أو التخمين.
أما تأكيد "الأستاذ فهمي" كلامه هذا بأننا "بصدد إعلام متصيد ومتربص، لا يكاد يلتقط هفوة أو رأيًا ملتبسًا حتى ينفخ فيه ويحوله إلى كارثة وطنية وقومية تتحدث بها الركبان وتتردد أصداؤها المفزوعة من كل ما هو إسلامي في أعمدة الصحف والبرامج التليفزيونية الحوارية"؛ فهذا الدور العدواني المغرض لكثير من وسائل الإعلام المشبوهة لن يتوقف؛ حتى لو نأى السلفيون بأنفسهم عن العمل السياسي!
وهل كان السلفيون يشاركون في اللعبة السياسية يوم كتبت "روزا اليوسف" عن أحد رموزهم: "أخطر رجل ضد مصر"؟!
والمدافعة بين الحق والباطل وإلقاء الشبهات والرد عليها سنة ماضية إلى يوم القيامة، لن تتوقف بقرار أو بإجراء، وهي على المدى البعيد أنفع للقضية الإسلامية ككل، والسلفيون يخرجون بعد كل هجمة عليهم أقوى عودًا وأنظف يدًا، وأكثر قبولاً ومصداقية عند الناس -أو على أقل تقدير عند المحايدين وذوي النوايا الحسنة-.
أما النقطة الثالثة -والتي جعلها "الأستاذ فهمي" في مقاله هي النقطة الثانية- وهي: أن السلفيين دعاة وليسوا أهل سياسة وأن الجماعات السلفية "تخوض غمار تجربة لا قبل لها بها، وليست مؤهلة للانخراط فيها": فمنطق لو استخدمه الناس؛ لما تقدموا خطوة للأمام في أي مجال من مجالات الحياة، أليس العلم بالتعلم، والفهم بالتفهم؟!
هل نقول لمن يريد أن يتاجر: لا تتاجر؛ لأن هناك تجارًا كبارًا وأنت مبتدئ لست مؤهلاً للانخراط في التجارة، ولا تحاول أن تكون صانعًا؛ لأن هناك من هو أكفأ منك، ولا تحاول كذا.. ولا تحاول كذا.. ؟!
هل ترانا نقول لمثل هذا: "مت جوعًا أو عش متسولاً على فتات الناس" مع أن التسول -أيضًا- له أصوله ومبادؤه، وسنجد مَن يقول له: لا تتسول؛ لأنك لست مؤهلاً ولم تتعلم قواعد التسول بعد، وهناك من هو "حريف" في التسول لا تستطيع أن تجاريه!
هل وجد "الأستاذ فهمي" في بداية مشواره العلمي أو في بداية كتاباته من يقول له: لا تحاول؛ لأنك لم تتأهل بعد وهناك من هم أهل للكتابة، ومن هم أكفأ منك لا تستطيع أن تجاريهم ونحو ذلك! ولو حصل؛ هل كان ذلك سيوقفه عن الكتابة؟!
كان الواجب على "الأستاذ فهمي" أن ينصح السلفيين بالحذر -مثلاً- أو بالتعمق في تعلم السياسة التي هي فرع من العلوم الإدارية تدرس ويتعلمها الناس مثل باقي العلوم بدلاً من أن يصورها على أنها "كيمياء" تستعصي على عقول السلفيين!
ثم إنه لا ينكِر مشاركة السلفيين في كل قضايا الأمة السياسية، ووجود المتابعة والتحليل والموقف السياسي ابتداءً من الثورة الإيرانية التي نختلف في الموقف منها مع الأستاذ "هويدي"، ثم حرب الخليج الأولى، ثم حرب تحرير الكويت، ثم حرب العراق، وأفغانستان، والقضية الفلسطينية، وقضية البوسنة والهرسك، وغيرها من القضايا.. لا ينكر وجود رأى للسلفيين فيها إلا غافل أو متغافل!
وحتى لو كانت علوم السياسة الحديثة وممارساتها معقدة أو خطرة؛ فمن أين للأستاذ "فهمي" أن يجزم باستعصائها على عقول السلفيين الذين اشتهروا بحبهم للقراءة وطلب العلم، وكثير منهم متقن لعلوم شرعية ودنيوية أصعب وأدق من علم السياسة؟! لا سيما أن السياسة عندهم -وعند "الأستاذ فهمي" أيضًا على ما نظن- جزء من الدين؟! فسيكون ذلك أدفع لهم لتعلم هذا الفن من الفنون.
أوَليس مشاركتهم في هذا المجال بضوابطه الشرعية قد تساهم في رفع الاتهامات الدائمة للإسلام أنه منهج نظري غير قابل للتطبيق ونحو ذلك من شبهات المغرضين؟!
لقد كان السلفيون ممنوعين زمنًا طويلاً من المشاركة السياسية التي لم يكن أحد يستطيعها إلا ببعض أو كثير من المخالفات الشرعية، ومع ذلك فقد كان كثير من المفكرين من أمثال "الأستاذ فهمي" حينها يعيب على السلفيين امتناعهم من المشاركة التي كانت وقتها غير مجدية، ويتخللها مخالفات شرعية كبيرة.. فلماذا الآن يقال مثل هذا الكلام؟!