شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ردًا على مقال: "استقيموا يرحمكم الله" لفهمي هويدي

أحمد الفيشاوي • قضايا معاصرة

هل كان الغرض من الجدل أن تصب التيارات السلفية قوتها ورصيدها لصالح غيرها من التيارات؛ وإلا فلتتجنب السياسة؛ لأنها "لها أهلها"؟!

أما أغرب ما في مقال "الأستاذ فهمي" فهو استخدامه للغة "المطلق" و"النسبي" التي كثيرًا ما يستخدمها دهاقنة العلمانية وفلاسفتها، وهي لغة يستخدمونها دائمًا لمحاربة شريعة الإسلام، ودعوى أنها مطلقات؛ أما واقعنا وزماننا ومكاننا فهو نسبي، ومِن ثمَّ "فلا يجوز أن يعامل ما هو نسبي بما هو مطلق".

يقول "الأستاذ فهمي" عن السلفيين: "فهؤلاء دعاة وليسوا أهل سياسة، والفرق بين الاثنين كبير، فأغلب الدعاة تتعلق أعينهم بالنص، أما أهل السياسة فهم مهجوسون بالواقع! والأولون مشغولون بالمطلق، والآخرون مهمومون بما هو نسبي!

والدعاة أيديهم في المياه الباردة كما يقال، ويتعاملون مع الأبيض والأسود، أما أهل السياسة فأيديهم في المياه المغلية، ومطلوب منهم دائمًا أن يفاضلوا بين درجات المنطقة الرمادية".

نعرف أن "الأستاذ فهمي" ليس من هذا الفريق الذي يستخدم الفلسفة لمحاربة الشريعة، وأنه لا يعني ما يعنونه، ولكن هذه هي مصطلحاتهم وطريقتهم.

وبعيدًا عن فلسفة المطلق والنسبي التي تحتاج لبسط في موضع آخر نقول للأستاذ "فهمي": إن هذه الأدوار التي نسبتها للساسة دون الدعاة هي من صلب اختصاص أهل العلم دون غيرهم لا سيما وقد فرقت بين النص والواقع، فجعلت الساسة في الشق الثاني دون الأول، أما أهل العلم -لا سيما من يتصدر منهم للسياسة- فهم مهتمون -أيضًا- بالواقع والبحث عن النص الشرعي المطابق له، ولا يشغلهم اهتمامهم بالواقع إلى حد "الهوس" الذي قد يوحي بإهمال النص أو التقصير في البحث عنه، وقد أشار الأستاذ فهمي لذلك في سياق كلامه حين قال: "أدري أن الأصوليين يشترطون في المجتهد أن يكون عارفًا بزمانه ومدركًا لحقائق الواقع المحيط به، لكن من قال: إن كل الدعاة -سلفيين منهم أو متصوفة- مجتهدون".

ونقول له: ومن قال: إن كل السلفيين أو الدعاة السلفيين سيشاركون في العمل السياسي أو على أقل تقدير في القرارات السياسية، أليست هذه الأمور يرجع فيها لعلمائهم ومجتهديهم؟!

ولو افترضنا أن هذا الأمر ترك لصغار طلاب العلم فلن يكون سوء تصرفهم أفسد من سوء تصرف من هو مشغول بالواقع لحد "الهوس"، ومع توقع الخطأ من كليهما فلن يكون خطأ من هو حريص على النص بأعظم من خطأ من هو مهووس بالواقع، مع أننا نؤكد على أن هذا الأمر لا بد فيه من مراجعة العلماء المجتهدون دون غيرهم في كافة الآراء والقرارات السياسية؛ لا سيما الفاصلة منها.

ثم إن هذا الكلام ينسحب على كل الفصائل الإسلامية التي تشارك في العمل السياسي وليس السلفيون وحدهم، هل -مثلاً- "الإخوان المسلمون" كلهم ساسة ومجتهدون أم أن القرارات السياسية يتولاها من هو معروف عندهم بإتقان هذا المجال؟!

ولو افترضنا أن هذه الأمور ليست من اختصاص الدعاة، وأن لكل اختصاصه فإن هذا يكون أدعى للمشاركة السياسية حتى يقوم هؤلاء "الدعاة" بواجبهم من تذكير هؤلاء "الساسة" دائمًا بالنص حتى لا ينسوه في خضم "هوسهم" بالواقع.

ثم نقول للأستاذ "هويدي": مَن كان يضع يده في الماء المغلي في أحداث "أطفيح"، وفي "فتنة ماسبيرو"، وفي أحداث قبلها كثيرة.. ؟!

وهل أطفأ النار، ومنع انتشار الفتنة التي كان مقصودها "تدمير الدولة المصرية"، و"هدم أركانها" إلا السلفيون الذين يضعون أيديهم -بزعمك- في الماء البارد؟!

أن يكون للأستاذ "فهمي" رأي، أو قناعة؛ فهذا مما لا بأس به، ولا بأس أيضًا أن نبيِّن له واقعًا أو نصحح له فهمًا.

ونذكِّر "الأستاذ فهمي" -وهو الذي يستخدم لغة "المُطلق" و"النسبي"- أنه لم يميز بينهما في اختياره لعنوان مقاله حينما اقتبس هذا العنوان الذي هو أليق بقاموس"المطلقات" بينما رأيه -مهما كان- هو في النهاية من دنيا "النسبيات"، ولا يليق أن يضفي على ما هو نسبي قداسة المطلق.

يبقى أن يقال: إنه قد جمع بين السلفيين والمتصوفة في الوصف والحكم، مع ما بينهما من فروق منهجية وواقعية، وهو ما أعرضنا عنه هنا؛ حتى لا يطول الكلام؛ ولأنه ليس غرضنا هنا.

والله من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة