موقف السلفيين من الحكام وولاة الأمور.. الحقائق والأكاذيب
علاء الدين عبد الهادي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي ظل حالة اختلاط المفاهيم التي يعاني منها مجتمعنا، ومع تعمد الخلط والتشويش من كثير من نجوم الإعلام الفاسد ممن يسمون أنفسهم كُتـَّابًا ومفكرين وباحثين؛ فضلاً عن كثير من الإعلاميين المضللين أنفسهم، ومع كثرة الاتهامات الظالمة الموجهة للسلفية عن جهل أحيانًا وعن سوء قصد أحيانًا أكثر؛ في ظل هذا كله نبيِّن مواقف السلفيين في قضية غاية في الأهمية، وكثيرًا ما تَرد في نقاشات الناس إذا ما جاء ذكر السلفية والسلفيين، ألا وهي: "قضية الحكم والحاكمية وولاية أمر المسلمين", وهي مِن ضمن القضايا التي اختلطت فيها الأوراق بشكل كبير.
والمتابع للمسائل التي نذكرها هنا يجدها مرتبطة بالعقيدة الإسلامية الصافية كما ينادي السلفيون بها دائمًا، وكما دونوها في كتبهم ومحاضراتهم المعلنة المبثوثة، وها هنا هذه المسائل وأقوال السلفيين وفتاواهم منقولة عن مواقعهم وكتبهم ومحاوراتهم، وقد اقتصرت على فترة ما قبل الثورة ردًا على المشككين في الدعوة السلفية والمتهمين لها بالتلون حتى نرد عليهم ظلمهم وعدوانهم، كما اقتصرت على بعض المنشور بموقع "صوت السلف"، وأغلبه من فتاوى الشيخ "ياسر برهامي" -حفظه الله-؛ لأنه الموقع الأكثر جمعًا والأكثر استيعابًا في مثل هذه القضايا، وما فيه من قضايا المنهج السلفي إنما يعبر في حقيقته عن موقف السلفيين عامة، وليس د/ "ياسر" -حفظه الله- خاصة.
وعلى سبيل الاختصار نذكر هذه المسائل مجمعة، ثم نفصل كل واحدة منها:
1- السلفيون يعتقدون وجوب طاعة ولاة الأمور الشرعيين الذين يقودون الناس بكتاب الله -إن وُجدوا-، ولا يرون جواز الخروج عليهم ما داموا قائمين بالحق والعدل ما لم يفسدوا ويزد فسادهم وجورهم على مفسدة الخروج عليهم.
2- السلفيون يفرقون بين الحاكم مدنيًا كان أو عسكريًا من جهة، وبين ولي الأمر الشرعي -نسبة للشرع- من جهة أخرى، وهم يتعاونون مع الجميع فيما فيه مصلحة راجحة للبلاد والعباد، وفي حدود الجائز شرعًا.
3- السلفيون يعتقدون أن الحكم بغير ما أنزل الله من الكفر كما نص القرآن على ذلك، وهو يشمل: الكفر الأكبر والأصغر .
4- السلفيون لا يحكمون بالكفر على من حكم بالقوانين الوضعية بأعيانهم إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
5- الخروج على الحاكم الظالم مرتبط عند السلفيين بالمصالح والمفاسد، والقدرة والعجز.
6- السلفيون يرون "المظاهرات السلمية" وسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليست بدعة مطلقًا، وليست جائزة مطلقًا، بل فيها تفصيل، مبناها على مراعاة المصالح والمفاسد، حسب ظروف كل مكان وزمان.
والآن مع التفاصيل:
1- السلفيون يعتقدون وجوب طاعة ولاة الأمور الشرعيين الذين يقودون الناس بكتاب الله -إن وجدوا-، ولا يرون جواز الخروج عليهم ما داموا قائمين بالحق والعدل ما لم يفسدوا ويزد فسادهم وجورهم على مفسدة الخروج عليهم:
قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:58-59) .
قال العلماء: "نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم، وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، و( إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) (متفق عليه) .
فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- كما أمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) .
وأما من لم يتحلَ بهذه الصفة -إقامة كتاب الله- من الحكام المتغلبين فغاية ما هنالك الإجابة إلى الحق إن دعا إليه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) ( رواه البخاري) .
وعند السلفيين لا تكون المعارضة للحاكم مقصودة بذاتها، بل المعارضة السياسية ينبغي أن تكون نوعًا من الحسبة، وتصحيح مسار الحاكم في حال انحرافه عن الشرع الحكيم وعن الحق والعدل.
وفي هذا المعنى نتذكر الخطبة الشهيرة لأبي بكر -رضي الله عنه- أول خليفة وإمام للدولة الإسلامية بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال كلمته المضيئة: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا سمع ولا طاعة".
إذن فلا ادعاء للعصمة لولي الأمر ولا تقديس له، بل الحاكم والمحكوم في الإسلام تنطبق عليهما القاعدة نفسها، طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويحاسبان طبقًا للقانون ذاته.
وإن وقع خلاف أو نزاع -وذلك وارد- بين الحاكم والمحكومين في مسائل الحلال والحرام والحق والباطل؛ فالجميع مخاطبون بكتاب الله -تعالى-، وعليهم أن يردوا ذلك النزاع إلى الشرع الحكيم ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ).
2- السلفيون يفرقون بين الحاكم مدنيًا كان أو عسكريًا من جهة، وبين ولي الأمر الشرعي -نسبة للشرع- من جهة أخرى، وهم يتعاونون مع الجميع فيما فيه مصلحة راجحة للبلاد والعباد، وفي حدود الجائز شرعًا: