شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ماذا تعلمنا من الحج؟

إيهاب الشريف • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحدث جليل عظيم يمر بالأمة كل عام في مثل الأيام التي مضت، بل لا يدانيه حدث مثله كل عام، ولكن ومع بالغ الأسى والأسف كثيرون لا ينتبهون لهذا الحدث الجلل، والكثير ممن يشهد الحدث نفسه لا يعي ولا يفهم منه شيئًا فلا يتغير عما كان، وتمر الأحداث تلو الأحداث بالأمة والثمرة منها ضعيفة، وعند البعض معدومة -والله المستعان-؛ ذلكم الحدث هو: "الحج إلى بيت الله الحرام".

هل انتبهتم لأكبر تجمع مناهض للشرك والمشركين ثائر عليهم وعلى معتقداتهم، إنهم حجاج بيت الله الحرام.. ما فتئوا يتجمعون جماعات جماعات، يجأرون بذلك الشعار المناهض للشرك وأهله منذ اللحظات الأولى في رحلتهم وقبل دخولهم حرم مكة وقل من يدخل مُحرِم بغير أن يعلن، بل يصرخ بهذا الشعار.. إنه شعار التوحيد.. عنوان الحج: "لبيك اللهم لبيك"، كلمات كلها توحيد وإيمان.. كلمات تفيض حبًا لله وإذعانًا.. كلمات تدل على الاستسلام التام للرحمن الرحيم.. حدود معينة، مواقيت محددة.. يمنع مرورهم عليها إلا محرمين معلنين واضعين ذلك الشعار.

وكل يوم وليلة تفد جماعات وجماعات؛ لتطوف بالبيت معظمة للرب -عز وجل-، مناهضة للشرك وأهله، محاربة لعقائد الجاهلية الخربة، مظهرة توحيدها في كل لحظات المناسك وأماكن المشاعر.

تخرج هذه الجماعات متجردة من الدنيا ومعانيها الشهوانية والمادية، متوجهة لرب البرية -جلَّ في علاه- طالبة رضاه، منضبطة في سلوكها ولفظها وحالها لتحصل ثمرة سعيها.

حتى إذا اجتمعوا هناك في أقدس بقعة على وجه الأرض وأحب بقعة إلى الله -عز وجل-، وجاء اليوم الثامن من شهر ذي الحجة كانت الانتفاضة الكبرى والثورة العظمى على الشرك وأهله، وعادات الجاهلية وطباعها وسيء أخلاقها، خرجوا جميعًا بالملايين يصرخون ويهلون بالتوحيد، منددين بالشرك وحال المشركين.. معلنين الاستجابة لرب العالمين والكون في طاعته وخدمة دينه ورفعته، متبعين لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- في مناسكه وهديه وسننه، خرجوا بزي واحد.. ونسك واحد.. ومكان واحد.. ولفظ واحد، وأيام واحدة، وظلوا.. فظلت على ذلك طيلة خمسة أيام أو ستة مرسلة تلك التحذيرات للشرك والمشركين، عازمة على تغيير وجه الأرض ورفعة الدين.

إنه أكبر تجمع تشهده الأرض كل عام ضد الشرك والمشركين.. ضد الجاهلية وأخلاقها وعاداتها.. ضد العنصريات، والتي فرقت الأمة ومزقتها، ضد الطبقية.. ضد الفرقة.. ضد الهزيمة والذل والهوان.. إنه مؤتمر الحج الأكبر.. ذلك التجمع العظيم الذي احتوى على الكثير من الدروس والعبر.

جدير بنا أيها الأحبة وبالحجيج أيضًا أن يعوها ويفهموها ننقلب بها في حياتنا نتغير فيغير الله -عز وجل- ما بنا.

ودروس الحج أعظم من أن نحصيها ونستقصيها في درس واحد، لكن نشير إلى أعظمها وأهمها:

أولاً: تحقيق التوحيد ونبذ الشرك وبغض أهله:

والمتأمل في مناسك الحج وشعائره يلحظ ذلك الدرس واضحًا جليًا منذ البداية، بل وعند الشروع في النسك يقول الحاج: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة"، وهذه دعوة للإخلاص ونبذ الشرك الأصغر، ثم يصرخ الحاج مهلاً بقوله: "لبيك اللهم.. ".

وفيها ما فيها من الاستسلام لله -عز وجل-، والانقياد له، وإعلان التوحيد له -سبحانه- فالاستجابة له وحده، وكذا الانقياد والطاعة، والحب والرغبة والرهبة؛ لأن الملك له والنعمة له -سبحانه-، فكما أن الله متفرد بالنعمة والعطاء لا شريك له، فهو متفرد بالتوحيد لا ند له، فلا يدعى إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يُستغاث إلا به، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا له، وكما أن العبد مطالب بقصد الله وحده في الحج، فهو مطالب بقصده وحده في كل عبادة يأتيها، وكل طاعة يتقرب بها، فمن صرف شيئًا من العبادة لغير الله أشرك بالله العظيم، وخسر الخسران المبين، وحبط عمله، ولم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً.

لقد جاء الإسلام بهذا الإهلال العظيم، الإهلال بتوحيد الله وإخلاص الدين له والبعد عن الشرك كله صغيره وكله، دقيقه وجله، بينما كان المشركون عباد الأصنام والأوثان، يُهلون في إحرامهم بالشرك والتنديد، فكانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، فيدخلون مع الله في التلبية آلهتهم الباطلة، ويجعلون ملكها بيده، وهذا هو معنى قول الله عنهم في القرآن الكريم: ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (يوسف:106) ، أي: ما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الخالق الرازق المدبر إلا وهم مشركون معه في العبادة أوثانًا لا تملك شيئًا، وأصنامًا لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، بل لا تملك من ذلك شيئًا لنفسها فضلاً عن أن تملكه لغيرها ، كما قال عكرمة : "تسألهم من خلقهم، ومن خلق السماوات والأرض فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره"، وعن ابن زيد قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه، وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: ( أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأَقْدَمُون َ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) (الشعراء:75-77) . قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون، فليس أحد يشرك إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبّي تقول: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك".

لقد كان المشركون زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرّون بأن خالقهم ورازقهم ومدبر شئونهم هو الله، ثم هم مع هذا الإقرار لا يخلصون الدين له، بل يشركون معه غيره في العبادة، من الأشجار والأحجار والأصنام وغيرهم. وقد جلَّى الله هذا الأمر وبيَّنه في مواطن كثيرة من "القرآن الكريم" كقوله -سبحانه-: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (العنكبوت:61) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

الصفحة التالية