ماذا تعلمنا من الحج؟
إيهاب الشريف • التزكية
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- مقررًا أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم، ففاوت بينهم فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلاً منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها.
فإذا كان الأمر كذلك، فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر -تعالى- مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" انتهى .
وهذا المعنى يكثر في القرآن الكريم والاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبية الله -جلَّ وعلا- على وجوب توحيده في عبادته وإخلاص الدين له، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية والتقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق؛ لأن يعبد وحده، ووبّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه الرب وحده، لزمه أن يخلص العبادة كلها له، وبهذا يتبين أن الاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المنعم المتصرف المدبر لشئون الخلق، لا يكفي في التوحيد ولا ينجي من عذاب الله يوم القيامة، ما لم تخلص العبادة كلها لله وحده.
فالله لا يقبل من عباده توحيدهم له في الربوبية إلا إذا أفردوه بتوحيد العبادة، فلا يتخذون له ندًا ولا يدعون معه أحدًا، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يصرفون شيئًا من العبادة إلا له -سبحانه-، فكما أنه -سبحانه- المتفرّد بالخلق فهو -سبحانه- المتفرّد بجميع أنواع العبادة؛ ولهذا قال -تعالى- للذين صرفوا العبادة لغيره مع أنهم يعلمون أنه خالقهم ورازقهم ( فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:22) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أي: لا تشركون بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه".
إن الواجب على كل مَن أهلَّ بهذه الكلمات العظيمة أن يستحضر ما دلت عليه من معنى، وأن يعرف ما تضمنته من دلالة؛ ليكون صادقـًا في إهلاله، موافقًا كلامه حقيقة حاله، بحيث يكون مستمسكًا بالتوحيد، محافظًا عليه، مراعيًا لحقوقه، مجانبًا تمام المجانبة لنواقضه، وما يضاده من الشرك، فلا يسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يحتكم إلا إلى الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يطلب المدد والعون والنصر إلا من الله، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا لله وحده، الذي بيده -سبحانه- العطاء والمنع، والقبض والبسط، والنفع والضر، ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ) (النمل:62) .
والمسلم عندما يقول في تلبيته: "لا شريك لك" يجب أن يكون عالمًا بحقيقة الشرك، مدركًا لخطره، حذرًا تمام الحذر من الوقوع فيه، أو في شيء من أسبابه ووسائله وطرقه؛ إذ هو أعظم ذنب عُصي الله به، ولهذا رتب عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة ما لم يُرتَّب على غيره من الذنوب، من إباحة دماء أهله وأموالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) (النساء:48) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا ) (النساء:116) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة:72) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (الزمر:65-66) ، والآيات في هذا المعنى في القرآن الكريم كثيرة جدًا، يحذّر فيها الربُّ -سبحانه- عبادَه من الشرك به، ويبيِّن شدَّة خطره وعظم مغبَّته، وسوء عاقبته على فاعله في الدنيا والآخرة.
فالشرك عاقبته وخيمة، ونهايته أليمة، وأخطاره جسيمة، ولا يربح فاعلُه من ورائه شيئًا إلا الخيبة والحرمان، والمذلة والخسران، وهو أعظم ذنب عُصي الله به؛ لأنه أظلم الظلم؛ إذ مضمونه تنقّصُ رب العالمين، وصرف خالصِ حقّه لغيره، وعدلُ غيره به؛ ولأنه مناقضٌ للمقصود بالخلق والأمر، ومنافٍ له من كلِّ وجه، وفيه غاية المعاندة لربِّ العالمين والاستكبار عن طاعته والذلِّ له؛ ولأن فيه تشبيهًا للمخلوق بالخالق -تعالى- وتقدس، وكيف يُجعَلُ مَن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلاً عن غيره شبيهًا بمن له الخلقُ كلُّه، وله الملك كلّه، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله؟! فأزمة الأمور بيده -سبحانه-، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده.