ماذا تعلمنا من الحج؟
إيهاب الشريف • التزكية
ولا ريب أن هذا يتطلب من المسلم اجتهادًا في معرفة السنة، وبذلاً للوقت في سبيل معرفة هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك عن طريق سؤال أهل العلم والجلوس في حلق الذكر التي يبين فيها الحلال والحرام، وقراءة الكتب النافعة والمؤلفات المفيدة المشتملة على بيان ذلك؛ ليتسنى للمسلم بعد ذلك القيام بالعبادة على وجه الصحيح ونهج سليم، موافق لهدي الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-.
وكما قلنا عقب (التوحيد) نقول هنا: هل يعرض الحجيج حياتهم على حياة صحاب خير الهدي -صلى الله عليه وسلم- رجاء التصحيح؟
هل ننقلب من حجنا حريصين على سنته -صلى الله عليه وسلم-؟
هل ننقلب من حجنا مدافعين عنها نفديها بأرواحنا ونفوسنا وأبنائنا إن كنا نفرح بأننا نحبه -صلى الله عليه وسلم- أكثر من هؤلاء جميعًا؟
هل نرجع حريصين على تعلم سنته -صلى الله عليه وسلم- مقبلين على حلق العلم لتدارسها، ومقتنين لكتبها في بيوتنا، معلمين إياها لأهلينا وأبنائنا؟
هل تنصبغ حياتنا بسنته وهديه وأخلاقه وسمته -صلى الله عليه وسلم-؟ تلك علامة من علامات الحج المبرور.
ثالثـًا: التربية على الأخلاق الحسنة والعادات الجميلة، ومِن ذلك:
1- العفة والبعد عن الخنا: قال الله -تعالى-: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ )، والرفث: هو الجماع ودواعيه من القول والفعل.
2- كظم الغيظ وترك الجدال والمخاصمة: قال الله -عز وجل-: ( وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (البقرة:197) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك"، والمنهي عنه هنا هو: النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية.
3- الرفق واللين والسكينة: إذ قال -صلى الله عليه وسلم- عندما سمع زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل في الدفع من مزدلفة: ( أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ ) (رواه البخاري) . يعني: الإسراع.
4- الشعور بالجماعة: فينبغي أن يتعلم العبد المسلم في الحج الإيثار، ويتجرد من الأنانية ومحبة النفس، ويندمج مع إخوانه الحجيج في اللباس والهتاف والتنقل والعمل والتآزر.
5- التربية على تحمل تبعة الخطأ: ويظهر ذلك جليًا في الفدية الواجبة على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام عمدًا، أو أخل بشيء من واجبات الحج.
6- التربية على التواضع: إذ يتساوى المسلمون وتزول آثار التميز المادي بينهم، وقد كان من خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
7- التربية على الصبر بأنواعه: حيث يلجم العبد نفسه عن الشهوات، ويعرضها للمشقة والتعب في سبيل امتثال أوامره بأداء النسك وإتمامه، فيكون ذلك دافعًا إلى ترك المعاصي، وامتثال الطاعات، وتحمل الأذى في سبيل ذلك بعد الحج.
8- البذل والسخاء: وهذا واضح في تحمل العبد نفقات الحج، والإحسان إلى المنقطعين فيه.
9- التعود على النظام والانضباط: ففي الحج قيود وحدود والتزامات لا يجوز للحاج الإخلال بها، فهي تعوده المحافظة على النظام، وتربيه على الانضباط، وفي الحج منافع أخرى دنيوية وأخروية، فردية وجماعية، تجل عن الحصر، يدل عليها تنكير المنافع وإبهامها في قوله -عز وجل-: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) (الحج:28) .
وبعد -أحبتي في الله-:
ما أحوجنا إلى تفهم عبادة الحج وتعلم دروسها واستصحابها في حياتنا؛ حتى يكون حجنا مبرورًا، فإن من علامات بر الحج أن يكون الحاج بعد أفضل مما كان قبله.