شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ماذا تعلمنا من الحج؟

إيهاب الشريف • التزكية

هذا والحج لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا أخذ المسلم فيه بطريقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولزم فيه هديه، واقتدى بفيه بسنته دون إفراط أو تفريط، ودون غلو أو جفاء، ودون زيادة أو تقصير، فإذا ألزم المسلم نفسه في حجه بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقيدها بهديه أفاد من ذلك أن لزوم السنة واتباع الهدي مأمور به في كل طاعة كما أنه متحتم في الحج على كل أحد الأخذ بهديه في كل طاعة، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- في شأن الصلاة: ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) (رواه البخاري) ، وقال عمومًا في شأن كل طاعة: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) .

فكل عمل لا يكون على هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن الله لا يقبله كما دل على ذلك منطوق قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )، فإنه يدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع العلمية القولية أو من البدع العملية التعبدية، فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو تعبد بشيء لم يأذن الله به ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولم يشرعه، فإنه يكون مردودًا على صاحبه غير مقبول، كما أن الحديث يدل بمفهومه أن من عمل عملاً عليه أمر الله ورسوله، وهو التعبد لله بالعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة واجب ومستحب، فعمله مقبول وسعيه مشكور.

وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: ( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

فقوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: ( وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ) هو من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وهو مردود على صاحبه غير مقبول منه.

فدين الله مبني على أصلين عظيمين، وأساسين متينين:

أحدهما: ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.

والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرعه على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله -تعالى-: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) (الجاثية:18-19) ، وقال الله -تعالى-: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى:21) ، فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله -صلى الله عليه وسلم- من واجب ومستحب، لا نعبده بالأمور المحدثة والمبتدعة التي لا أصل لها في الدين، ولا أساس لها من الشرع، وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده، فلا يُصلى إلا لله ولا يُصام إلا لله، ولا يُحج إلا إلى بيته، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يصرف شيء من العبادة إلا له، وقد جمع الله بين هذين الأصلين العظيمين في قوله -سبحانه-: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (الكهف:110) .

فالعمل الصالح هو الموافق للشرع المطهر، والخالص هو الذي لم يرد به إلا وجه الله، وهما ركنا العمل المتقبل، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة.

فالواجب على كل مسلم يرجو لنفسه الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة أن يلزم نفسه بهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن يقيد عمله بسنته، وأن يحذر تمام الحذر من مفارقة هديه، ومخالفة سنته واتباع غير سبيله؛ إذ هو -صلوات الله وسلامه عليه- القدوة والأسوة لامته، كما قال الله -تعالى- في شأنه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) ، وقال الله -تعالى-: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (الأحزاب:6) ، أي: "هو أحق بهم في كل أمور الدين والدنيا، وأولى بهم من أنفسهم فضلاً عن أن يكون أولى بهم من غيرهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم لأنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم، وبالجملة فإذا دعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم" فتح القدير .

الصفحة السابقة الصفحة التالية