احذروا ضياع الأمانة (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالغرض من الخطبة:
التنبيه على خطورة تولية غير الأمناء والفاسدين ودعاة التحرر من الدين أمورَ المسلمين.
المقدمة:
التمهيد لموضوع الخطبة من خلال حديث ?أَبِي هُرَيْرَةَ? -رَضِيَ اللَّـهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنَّهُ ?قَالَ: ?بَيْنَمَا النَّبِيُّ? -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ??فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّـهِ? -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ?يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ( أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟ ) قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّـهِ. قَالَ?: ?( فَإِذَا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ). قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ( إِذَا? ?وُسِّدَ ??الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ) (رواه البخاري) .
معني الأمانة (1) :
- بيان أن المراد من الأمانة ما هو أوسع من أمانات الأموال، قال -تعالى-: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ) (الأحزاب:72) .
قال القرطبي في التفسير: "الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور".
وقال الكفوي: "الأمانة هي كل ما افترض الله على العباد، فهو أمانة: كالصلاة، والزكاة، والصيام، وأداء الدين، وأوكدها: الودائع" (الكليات:176) .
الأمانة من أبرز سمات الأنبياء والصالحين:
- حرص الأنبياء على إبرازها: ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) (الشعراء:107) ، قال -تعالى-: ( أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) (الدخان:18) .
- محمد -صلى الله عليه وسلم- صاحب الحظ الأوفى من الأمانة: سماه قومه: "الأمين" قبل وبعد البعثة.
- إبقاؤه -صلى الله عليه وسلم- على عليً بن أبي طالب بعد هجرته؛ ليرد الأمانات التي كانت عنده إلى أهلها.
- وكذا سيد الملائكة جبريل ، قال -تعالى-: ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) (الشعراء:192-194) .
- وهي من صفات الصالحين، قال -عز وجل-: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) إلى قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) (المؤمنون:1-8) .
وجوب تأدية الأمانة وحرمة الخيانة:
قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (النساء:58) .
- سبب النزول هو: تولية الأمر لمن هو أصلح له، لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة؛ طلبها منه العباس بن عبد المطلب؛ ليجمع له سقاية الحاج وسدنة البيت، فأنزل الله هذه الآية فدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة".
- تولية غير الأمناء خيانة للأمانة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (الأنفال:27) .
وعن عمر بن الخطاب قال: "ومن ولَّى رجلاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره؛ لأجل قرابة بينهما أو.. لرشوة أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (السياسة الشرعية) .
- تولية غير الأمناء من شهادة الزور: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أََلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ). قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: ( أََلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ). قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لا يَسْكُتُ. (متفق عليه) .
- شهادة الزور ستكتب عليك في حياتك: ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق:18) .
- شهادة الزور ستحمل آثارها في الدنيا كلما أفسد غير الأمناء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) (رواه مسلم) .
- شهادة الزور تحمل آثارها بعد موتك: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين ) (يس:12) .
من نولي علينا؟!
- خطورة الولاية والإمارة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) (رواه مسلم) .
- الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، قال -تعالى-: ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين ) (القصص:66) ، وقال صاحب مصر ليوسف -عليه السلام-: ( إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ ) (يوسف:54) .
- المقصود بالقوة: القوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى أهل العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.
- المقصود بالأمانة: خشية الله وترك خشية الناس، وعدم بيع الدين بالدنيا، قال -تعالى-: ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً ) (المائدة:44) .
القوة والأمانة في الناس:
اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ لذا كان عمر يقول: "اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة".
الواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها (2) :