القول الفصل حول "حضور القداس" وفتاوى العصر
زين العابدين كامل • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ) (الأحزاب:70) ، فالله أسأل أن يسدد ألسنتنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يغفر لنا زلاتنا، اللهم آمين.
يعلم ربي أنني لم أكتب هذه السطور اليسيرة إلا ابتغاء وجهه، فهو المطلع على خفايا الأمور، وما تخفي الصدور، ولم أرد أن أقدح أو أجرح في جماعة بعينها أو في حزب بعينه، أو أن أنتصر لجماعة أو لحزب، فوالله ما أردت إلا الحق، فالحق أحق أن يتبع، وقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية مَن ينادي ويفتي بوجوب تهنئة النصارى في أعيادهم، ومَن ينادي بحضور "قداس النصارى" في الكنائس، وأن هذا مِن الإحسان والبر الذي أَمرنا الله به نحوهم، ويخطِّئ مَن قال بخلاف ذلك!
وأنا أقول: إنه مِن المعضلات توضيح الواضحات، لا سيما في وقت الفتن، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ بَلاءٌ وَفِتْنَةٌ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
فالفتن واقعة لا محالة كونًا وقدرًا، وإذا وقعت لا يثبت فيها إلا مَن عصمه الله ووفقه للثبات، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ) يكررها -صلى الله عليه وسلم-. (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وقد شبَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- الفتن بقطع الليل المظلم، الذي لا قمر فيه ولا ضياء، فالساري فيه على شفا هلكة إن لم يكن معه نور يبصر به مواقع قدمه، والاختلاف كذلك واقع لا محالة، قال -تعالى-: ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) (هود:118-119) .
وقال رسول الله -صلى الله علية وسلم-: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ ) (رواه أحمد أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
وأنا أود أن أشير إلى أن مَن يقول وينادي بتهنئة النصارى وحضور قداسهم لم يحسن تحرير المسألة، ولم يحسن كذلك إسقاط الدليل في موضعه، فحججهم بادية الضعف، ويمكن الرد عليها بسهولة ويسر، وهذا ما سنوضحه في الأسطر التالية.
وأنا أنصح القارئ الكريم أن يخلص النية لله -تعالى-، ولا يتعصب إلا للحق:
أولاً: قال الله -تعالى-: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) (النساء:140) ؛ فكيف يجلس المسلم الموحد بالله في مكان يُكفر فيه بالله، ويُقال فيه أن الله -تعالى- له ولد، وأنه صلب ومات يوم الخميس، ثم قام يوم الأحد ليجلس على يمين الرب أبيه؟!
كيف تهنئه على قوله: إن عيسى -عليه السلام- صلب، والله يقول: ( وَمَا صَلَبُوهُ ) (النساء:157) ؟!
كيف تهنئه على قوله: إن عيسى -عليه السلام- قُتل، والله يقول: ( وَمَا قَتَلُوهُ )؟!
فما هو الرد على هذه الآية الكريمة المحكمة؟!
ثانيًا: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) (الفرقان:72) ، قال مجاهد: أي أعياد المشركين، وقال عكرمة: هو لعب كان لهم في الجاهلية. وقال الضحاك: هو كلام الشرك.
والسؤال: إذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع؛ فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل، لا مجرد الشهود فقط؟!
ثالثًا: عن أنس -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: ( مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ ) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، ووجه الدلالة أن اليومين الجاهليين لم يقرهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ فما ردهم على هذا الحديث الصحيح؟!
رابعًا: عن عطاء بن دينار أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "وَلا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ" (أخرجه البيهقي، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن مفلح) .
فعمر -رضي الله عنه- نهى عن دخول كنائسهم يوم العيد. ومَن هو عمر؟ هو أحد الخلفاء الأربعة الذين أمرنا رسول الله باتباعهم في قوله: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ )، فما ردهم على كلام أمير المؤمنين عمر؟!
خامسًا: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَالَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ: إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ: فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا ) (رواه البخاري) ، فكيف يجلس المؤمن في مكان يُسب فيه الله وهو لا ينكر، بل يجلس بإرادته، ويبارك لهم ويهنئهم على ذلك الضلال؟!
سادسًا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي نذر أن يذبح إبلاً ببوانة، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ). قَالُوا: لا، قَالَ: ( هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ). قَالُوا: لا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَوْفِ بِنَذْرِكَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . -بوانة: موضع قريب من مكة- والشاهد أن وقت السؤال لم يكن العيد موجودًا، فكيف بالمشاركة في العيد نفسه؟!