القول الفصل حول "حضور القداس" وفتاوى العصر
زين العابدين كامل • قضايا معاصرة
سابعًا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، فالمسلم يتشبه بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكذا بصحابته -رضوان الله عليهم- وبما عليه جماعة المؤمنين، أما التشبه بالكفار فمن أخطر الأمور على دين المسلم، وقد أمرنا أن نخالفهم حتى في الطاعات والعبادات، كما سنَّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صوم تاسوعاء مع عاشوراء مِن أجل المخالفة، وكذا تعجيل الفطر والمغرب وتأخير السحور وغير ذلك؛ فكيف نؤمر بمخالفتهم ونحن نجلس معهم في كنائسهم في قداسهم؟!
ثامنًا: أن الأعياد مِن جملة الشرع والمناهج والمناسك، قال -تعالى-: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) (المائدة:48) ، فلا فرق بين المشاركة في المنهج والمشاركة في العيد، والأعياد ترتبط -دائمًا- بالعقائد والأديان، فعيد الفطر يأتي بعد طاعة الصيام، وعيد الأضحى يكون في أيام الحج، وهكذا عند غيرنا، أعيادهم تختص وترتبط بعقائدهم.
تاسعًا: قد نُقل لنا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما فعله مع غير المسلمين مِن الأمور المباحة: كالبيع والشراء، والمؤاجرة، وقبول الهدية منهم والإهداء لهم، وعيادة مريضهم، والأكل من طعامهم، والتصدق عليهم عند المصلحة، ونحو ذلك، ولو أنه هنأهم في أعيادهم؛ لنقل ذلك إلينا أيضًا.
عاشرًا: "الإجماع": لم يُنقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن صحابته، ولا عن التابعين، ولم يكن على عهد السلف مِن المسلمين مَن يشركهم في شيء من ذلك، ولولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهيًا من ذلك؛ لوقع ذلك كثيرًا، والمانع هنا هو الدين، ومن الشروط التي وضعها أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-، واتفقت عليها الصحابة وسائر الفقهاء بعدهم، أن أهل الذمة مِن أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم في دار الإسلام، فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها؛ فكيف يسوغ للمسلمين فعلها والمشاركة فيها؟!
أليس هذا من العجب العجاب؟!
وقد نقل شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم" الإجماع على تحريم المشاركة في أعياد المشركين، وكذا العلامة "ابن القيم" -رحمه الله- في كتابه: "أحكام أهل الذمة"، وقد قال بالتحريم كذلك فضيلة الشيخ "عطية صقر" -رحمه الله- رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا.
وأخيرًا: الرد على ما استدلوا به:
اعلم أيها القارئ الكريم أن غاية ما استدلوا به آية في كتاب الله ليس لها علاقة بأمر المشاركة أو التهنئة، وهي قول الله -تعالى-: ( لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) .
فقالوا: إن الآية تأمرنا بالحب والمودة!
وأنا أقول: هذا كلام باطل، ومِن التأويل الفاسد المذموم لكتاب الله -تعالى-.
فلا مداهنة في دين الله -تعالى-، نحن أَمَرنا الله أن نعاملهم بالبر والإحسان والمعروف، نعم، لكنه في نفس الوقت أَمَرنا بعدم الحب والمودة.
قال ابن حجر -رحمه الله-: "البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتواد المنهي عنه في قوله -تعالى-: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَه ) (المجادلة:22) ".
فالمعاملة الحسنة، والإطعام، والكسوة، ونحو ذلك هو مِن الإحسان والبر، والإقساط -العدل-، أما المشاركة في الأعياد؛ فليس هذا مِن البر، بل هو من الموالاة والمتابعة التي نهى الله عنها.
وأنا والله عجبتُ مِن بعض مَن ينتسبون للإسلام أو التيار الإسلامي، وهو يقول: إننا لا بد أن نحبهم؛ لأن الله أمرنا بذلك، ثم يستدل بالآية السابقة، وهو لا يفرق بين آية الممتحنة، وآية سورة المجادلة.
ولقد قرأت تفسير الآيتين -آية المجادلة، وآية الممتحنة- وكذا تفسير قوله -تعالى-: ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (لقمان:15) ، في كتب التفسير التالية: "الطبري - ابن أبي حاتم - الوسيط للواحدي - البغوي - القرطبي - ابن كثير - فتح القدير للشوكاني - أضواء البيان - السعدي - الشعراوي"، فما وجدت أحدًا منهم يفسر البر والإحسان بالحب والمودة؛ فمن أين أتى هؤلاء بهذا التفسير الغريب؟!
ولقد أعجبني تفسير "الشيخ الشعراوي" -رحمه الله- حيث قال: "لم يفطن هؤلاء إلى أن هناك فارقًا بين الود والمعروف، فالود هو عمل القلب فأنت تحب بقلبك، ولكن المعروف ليس مِن عمل القلب؛ لأنك قد تصنع معروفًا في إنسان لا تعرفه، وقد تصنع معروفًا في عدوك حين تجده في مأزق، لكنك لا تحبه ولا توده، فأنت تصنع المعروف فيمن تحب ومن لا تحب، ولكنك لا تود إلا من تحب".
فلا أدري كيف استدل هؤلاء بآية سورة الممتحنة على وجوب الحب والمودة، والتهنئة، والمشاركة في الأعياد، ولم ينقل ذلك أبدًا عن أحد مِن المفسرين وأهل العلم المخلصين؟! فالله أسأل أن يعود هؤلاء إلى دينهم وأقوال علمائنا القدامى في مثل هذه المسائل الكبيرة المرتبطة بعقيدتنا، وأن يتوبوا إلى الله مِن القول عليه بغير علم ولا دليل.
ومِن أدلتهم -أيضًا-: أن الله -تعالى- أحل الزواج مِن الكتابية.
والجواب: نعم أحل الله الزواج من الكتابية في قوله -تعالى-: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) (المائدة:5) ، ولكن هل علم هؤلاء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يكره ذلك، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان لا يرى التزوج مِن النصرانية، ويقول: لا أعلم شركًا أعظم مِن أن تقول: إن ربها عيسى!
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ) (متفق عليه) ، إذن فالحكم الجواز، والأولى الزواج بالمسلمة المؤمنة التي تربي الأبناء على توحيد الله، فهناك فرق بين الحب الفطري كحب الرجل لأمه وأهله وأبنائه وإن كانوا كفارًا مع وجود البغضاء لما هم عليه من الكفر والشرك، والحب الذي مبناه على عقيدة التوحيد والإسلام.