شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حول تعليق "د. ياسر" في مسألة الجزية

الشيخ ياسر برهامي • شبهات وجوابها

السؤال:

ما عهدناكم إلا رجاعين للحق.

هذا رد الشيخ "محمد شاكر الشريف" على موضوع الجزية:

"هذه المسألة العملية حدثت أول ما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، والعلماء اطلعوا عليها مِن قديم كما اطلعوا على آية التوبة التي فيها فرض الجزية، فكنا نود من الشيخ ياسر -بارك الله فيه- أن يذكر لنا عمن أخذ هذا القول من أهل العلم.

أخي الكريم عندما دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- المدينة لم يكن اليهود أهل ذمة، وإنما كانوا أهل موادعة وعهد، والجزية إنما تفرض على أهل الذمة، ومِن ثَمَّ فإن التأسيس الذي بنى عليه الشيخ ياسر رأيه تأسيس غير صحيح.

وكلام الشيخ ياسر يجعل ضرب الجزية صورة من الصور الممكنة في التعامل الخاضع لقاعدة المصالح والمفاسد، ومِن خلال هذا الرأي لا يكون ضرب الجزية أمرًا مبتوتًا، وإنما يخضع للظروف والأحوال، لكن هذا القول الذي أذكره لا يتجاوز القدرة، فالتكليف مرتبط بالوسع كما قال -تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة:286) ، لكن في حالة عدم القدرة لا يسوغ لنا أن نستنطق الأدلة مكرهة؛ لنجعل من حالة عدم القدرة أو العجز المؤقت حالة دائمة لا ترتبط بالقدرة، وإنما ترتبط بالمصلحة -والله تعالى أعلم-".

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأنا لم أقل أن حالة عدم القدرة حالة دائمة، بل الكلام واضح في أن المسلمين حسب حالهم، أي مِن القدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة، يتعاملون بما يناسب حالهم مع غير المسلمين؛ فهل في هذا أن هذه حالة دائمة ليست مرتبطة بالقدرة؟!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة؛ كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح" (اهـ من مجموع الفتاوى) .

والمتبع لمراحل تشريع الجهاد في الإسلام يعلم أنه مر بمراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة الكف والإعراض والصفح حيث كان القتال محرمًا، قال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) (النساء:77) .

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَكَّةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ: ( إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلا تُقَاتِلُوا ) فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ) (النساء:77) ، (رواه ابن جرير والنسائي، وصححه الألباني) .

وقال ابن القيم -رحمه الله- عن هذه المرحلة: "والله -سبحانه- يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح؛ فأذن لهم بالقتال، ولم يفرضه عليهم فقال: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) (الحج:39) " انتهى .

وهذه هي المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال.

ثم المرحلة الثالثة: وهي الأمر بالقتال لمن قاتلهم دون مَن لم يقاتل، وذلك بقوله -تعالى-: ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) (البقرة:190) .

ثم المرحلة الرابعة: فرض عليهم قتال المشركين كافة بقوله -تعالى-: ( وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً ) (التوبة:36) ، وقوله -تعالى-: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ) (التوبة:5) ، وقوله -تعالى-: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (التوبة:29) ، وقوله -تعالى-: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ ) (الأنفال:39) .

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأبي العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم: يعني حتى لا يكون شرك.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ) (متفق عليه) .

وهذه المرحلة الأخيرة هي التي استقر عليها الأمر في معاملة المسلمين للكفار مِن جميع الأجناس -أهل الكتاب وغيرهم-، وقال أكثر السلف بنسخ آيات الموادعة والصفح والعفو.

ولا يختلف العلماء مِن "المذاهب الأربعة"، وغيرهم على أنه يلزم المسلمين عند القدرة ابتداء الكفار بالقتال، ولو لم يقاتل الكفار المسلمين -وهذا جهاد الطلب-، مع لزوم جهاد الدفع بالإجماع.

ورغم أن المستقر عند الفقهاء المرحلة الأخيرة؛ إلا أن عامتهم يصرح بأن حكم المراحل السابقة لم يزل بالكلية، بل يُعمل بها عند الحاجة.

الصفحة التالية