شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حول تعليق "د. ياسر" في مسألة الجزية

الشيخ ياسر برهامي • شبهات وجوابها

قال الزركشي -رحمه الله-: "قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب... الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب: كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه مِن عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نسَخَهُ إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء كما قال -تعالى-: ( أَوْ نُنسِهَا ) (البقرة:106) ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفى حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تَبيَّن ضعف ما لهج به كثير مِن المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك، بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر" ( البرهان:2/42) .

وذكر السيوطي هذا الكلام في "الإتقان"، ولم ينسبه للزركشي، والحقيقة أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي لا حقيقة له، إذ مصطلح النسخ عند السلف يشمل التقييد والتخصيص، وبيان الإجمال، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام "ابن تيمية" في "الإكليل"، فالجميع متفق على أنه لا يكلف المستضعف -"الذي يشبه حاله حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمسلمين بمكة"- ما لا طاقة له به مِن القتال، وقد سبق الزركشي غيره مِن أهل العلم بذلك.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فمن كان مِن المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون" (الصارم المسلول:1/221) .

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى -: ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) (الأنفال : 61) : "وقال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراسان ي ، وعكرمة، والحسن، وقتادة أن الآية منسوخة بآية السيف في براءة: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) (التوبة : 29) ، وفيه نظر؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا؛ فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية؛ فلا منافاة، ولا نسخ، ولا تخصيص -والله أعلم-".

قال القرطبي -رحمه الله- : "قال ابن العربي : قد قال الله -تعالى-: ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ) (آل عمران : 139) ، فإذا كان المسلمون على عزة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة؛ فلا صلح. وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح؛ لنفع يجتلبونه أو ضرر يدفعونه؛ فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه، وقد صالح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم، وقد صالح الضمري، وأكيدر دومة، وأهل نجران، وقد هادن قريشًا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة" (تفسير القرطبي:8/40) .

وقال الشافعي -رحمه الله-: "لا تجوز مهادنة المشركين أكثر مِن عشر سنين على ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية".

وقال ابن حبيب -من المالكية- : " تجوز مهادنتهم السنة، والسنتين، والثلاث، وإلى غير مدة.. " انتهى . والمقصود إلى أن يقوى المسلمون فينبذوا إليهم على سواء قبل قتالهم، كما بيَّنه "ابن القيم" -رحمه الله- في الزاد.

قال ابن حجر -رحمه الله-: " قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعزُّ مِن أن يُعطى المشركون على أن يكفوا عنهم؛ إلا في حالة مخالفة اصطلام المسلمين لكثرة العدو؛ لأن ذلك مِن معاني الضرورات، وكذلك لو أُسر رجل مسلم فلم يُطـْلق إلا بفدية؛ جاز" (فتح الباري:6/276) .

قال ابن قدامة -رحمه الله- : " لا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية... وقال: وتجوز مهادنتهم على غير مال، وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم؛ فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صغارًا على المسلمين، وهذا محمول على غير حالة الضرورة، فأما إذا دعت إليه الضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر؛ فيجوز؛ ولأن بذل المال إن كان فيه صغار، فإنه يجوز تحمله؛ لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل، والأسر، وسبي الذرية الذين يُفضي سبيهم إلى كفرهم" (المغني :9/298) .

وقال الشيباني -رحمه الله- في السير الكبير: "وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالاً؛ فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة".

وبهذه النقول كلها يتضح لكَ أنه لا خلاف بين السلف أن العمل بالمرحلة الأخيرة من الجهاد إنما هو حسب الإمكان والقدرة، وأما ما لا قدرة عليه؛ فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإلا عليهم الأخذ بأسباب القدرة حتى يزول عنهم هذا الاضطرار.

وهكذا يتضح لكَ أن إنكار المرحلية بالكلية واعتبارها جُبنًا، وإلزام من يقول بها بأنه يدعو إلى ترك سائر الواجبات التي فُرضت بعد المرحلة المكية - غلو مخالف لكلام أهل العلم مِن المذاهب الأربعة، وغيرهم.

ولا تقتصر صورة العجز على العجز الحسي فقط، بل غلبة الظن بحصول الأذى الجسيم على طائفة مِن المسلمين مِن هزيمة، وقتل، وسبي وأسر مِن غير مصلحة راجحة تدخل في هذا المعنى كذلك، قال الله -تعالى-: ( الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال : 66) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية