حول تعليق "د. ياسر" في مسألة الجزية
الشيخ ياسر برهامي • شبهات وجوابها
روى ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، وأن يقاتل مائة ألفًا؛ فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال: ( الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ) (الأنفال : 66) ، فكانوا إذا كانوا على الشطر مِن عدوهم لم ينبغي لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا، وجاز لهم أن ينحازوا إلى المسلمين".
قال الكاساني -رحمه الله-: "الغزاة إذا جاءهم جمع مِن المشركين ما لا طاقة لهم به، وخافوهم أن يقتلوهم؛ فلا بأس أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحُكمُ في هذا الباب لغالب الرأي، وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات وإن كانوا أقل عددًا منهم، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين؛ ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددًا من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح، أو مع واحد من الكفرة ومعه سلاح لا بأس أن يولي دبره متحيزاً إلى فئة" (بدائع الصنائع:7/98) .
وقال النووي -رحمه الله-: "قال الجمهور: إذا التقى الصفان فله حالان: أحدهما: أن لا يزيد عدد الكفار على ضعف عدد المسلمين، بل كانوا مثلي المسلمين أو أقل؛ فتحرم الهزيمة والانصراف إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة... هذا الذي ذكرناه من تحريم الهزيمة إلا لمتحرف أو متحيز هو في حال القدرة، أما مَن عجز بمرض ونحوه، أو لم يبق معه سلاح؛ فله الانصراف بكل حال، ويستحب أن يولي متحرفًا أو متحيزًا، فإن أمكنه الرمي بالأحجار؛ فهل تقوم مقام السلاح؟ وجهان. قلت: أصحها تقوم -والله أعلم-.
ولو مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلاً فله الانصراف، ومَن غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل، هل له الانصراف؟ وجهان. الصحيح: المنع... الحالة الثانية: إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام، وهل يجوز انهزام مائة من أبطالنا من مائتين وواحد من ضعفاء الكفار؟ وجهان. أصحهما: لا؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف. والثاني: نعم؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر، ويجرى الوجهان في عكسه... وإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا ظفروا استحب الثبات، وإن غلب على ظنهم الهلاك، ففي وجوب الفرار وجهان. وقال الإمام: إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية وجب الفرار قطعًا، وإن كان فيه نكاية فوجهان. أصحهما: يستحب ولا يجب" (روضة الطالبين:10/247-248) .
وذكر ابن جزي الغرناطي المالكي في القوانين الفقهية نحوًا من هذا (128)، ومما يعضد هذا قول موسى -عليه السلام- للإسرائيلي : ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ) (القصص : 18) ، قال القرطبي : " أي لأنك تشاد من لا تطيقه " انتهى .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث نزول عيسى عليه السلام- عن يأجوج ومأجوج: ( فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ) (رواه مسلم) .
فالواجب عند العجز عن القتال تحريز عباد الله المؤمنين وحفظهم لا مصادمتهم لعدو يصطلمهم ويهلكهم بغير مصلحة، فالجهاد لا يعود على مقصوده، وهو إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه وأهله بالنقض بقتل المسلمين وسبي نسائهم مِن غير مصلحة للمسلمين.
وأما قول مَن يقول: إنه ليس بعد الكفر مفسدة فهو أعظم المفاسد.
قلنا: نعم هو أعظم المفاسد مِن جهة النوع، أما من جهة الكم فالزيادة عليه بالصد عن سبيل الله وأذية المسلمين مع استمرار الكفر وبقائه أعظم مفسدة وضررًا، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) (النحل : 88) ، فكافر يؤذي المسلمين أشد خطرًا مِن كافر لا يؤذيهم.
وإذا كان العلماء قد نصوا على جواز دفع المسلمين مالاً في مصالحة الكفار "كما قال ابن قدامة -رحمه الله-"، وذلك مع كونه صغارًا فهو لدفع صغار أعظم منه؛ فكيف يُمنع في الظروف الحالية جواز معاهدة الكفار في بلاد المسلمين بلا جزية عقدًا مطلقًا، ولم نقل عهدًا مؤبدًا؟!
فأدعو الله أن يراجع الشيخ "محمد شاكر الشريف" -حفظه الله- الكلام مدققًا فيه، ثم يكون التعليق بناءً على الكلام لا على ما فهمه.