في ظلال كتاب "عقيدة الصلب والفداء" لرشيد رضا
أحمد الفيشاوي • غير مصنف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين الميلادي، وفي ظل الاحتلال الغربي حينئذ لجزء كبير من أهم بلاد الإسلام تكوَّنت لدى الغرب رؤى وبدائل متعددة لاحتواء المسلمين، وتخفيف حدة العداء التي تعرقل مصالحهم المرتبطة بالشرق الإسلامي، وكانت من تلك البدائل هي: نشر النصرانية بين المسلمين أو على الأقل تشكيكهم في دينهم ونزع ثقتهم به.
ولذلك دعم الاحتلال آنذاك الإرساليات التبشيرية ومكَّنها من إنشاء المدارس، والمستشفيات، ودور النشر والمكتبات، والكنائس والأديرة، والجمعيات، وغير ذلك من العمران والمشاريع التي ما زالت آثارها قائمة بعواصم بلاد الإسلام ومدنه، بل إن كثيرًا منها ما زال يباشر مهامه التبشيرية حتى بعد رحيل الاستعمار!
وفي ظل هذه الأجواء الكئيبة والحقبة الشائكة من تاريخ المسلمين ينزل القاهرة داعية مسلم شاب في بداية الثلاثينيات من عمره قادمًا من بلاد الشام يبحث عن ميدان أوسع للدعوة والإصلاح والنهوض بالأمة؛ فإذا به يصطدم بذلك الواقع المرير الذي يكون سببًا لتأليفه كتابنا هذا، ومِن قبل ذلك يكون سببًا في توجيه مسار حياته، إنه الشيخ: "محمد رشيد رضا".
يقول -رحمه الله- في كتابه هذا: "كنت مارًا بشارع محمد علي بالقاهرة وأنا قريب عهد بالهجرة إليها فرأيت رجلاً واقفًا على باب المدرسة الإنكليزية يدعو كل من مر أمامه: تعالوا اسمعوا كلام الله، ولما خصني بالدعوة أجبته ودخلت؛ فإذا بناس على مقاعد من الخشب في رحبة المدرسة، فلما كثر الجمع قام أحد دعاة النصرانية فألقى كلمة عن الفداء والخلاص ونحو ذلك، مما تضمنته العقيدة الصليبية.
وبعد فراغه وحثه الناس على الأخذ بما قاله والإيمان به ودعواه أن لا خلاص لهم بدونه، قمتُ فقلتُ: إذا كنتم قد دعوتمونا إلى هذا المكان لتبلغونا هذه الدعوة شفقة علينا ورحمة بنا فأذنوا لي أن أبيِّن لكم موقعها من نفسي، فأذن لي القس بالكلام فوقفت في موقف الخطابة، وأوردت عليهم بعض ما يترتب على هذه الدعوة من العقائد الباطلة والقضايا المتناقضة التي سأبينها هنا -أي في هذا الكتاب-، وطلبت الجواب عنها فكان الجواب أن هذا المكان خاص بالوعظ والكرازة دون الجدال والمناظرة؛ فإن كنت تريد الجدل والمناظرة فموضعهما المكتبة الإنكليزية، فلما سمع المسلمون الحاضرون هذا الجواب صاحوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وانصرفوا" انتهى .
إن أهمية هذا الكتاب لا ترجع إلى بيان تاريخ التنصير وتزامنه مع تاريخ الاستعمار فحسب، بل وترجع بوجه آخر لبيان المدخل النظري الذي اعتمده التنصير منذ ذلك العهد وإلى يومنا هذا؛ للتغرير بجهال المسلمين، إنه مبدأ الخلاص من الخطيئة الذاتية أو ما يسمونه الخطيئة الأصلية.
ذلك المبدأ الذي اعتمده قديمًا بعض فلاسفة النصارى؛ لتبرير التجسد الإلهي، والإيهام لا بجوازه فقط، بل وبحتميته أيضًا!
ومع ظهور الإسلام زادت حاجة النصارى للفلسفة وعلم الكلام كقشة يتعلق بها الغريق المغلوب في حجته ودفاعه؛ فبرزت فلسفة الخطيئة الأصلية والخلاص الإلهي حتى كادت أن تسامي في أهميتها عند مجادلي النصرانية وعلمائها عقيدة التجسد والتثليث!
فلما نشطت الدعوات التنصيرية -بإيعاز ودعم من الاحتلال الغربي المسمى قديمًا بالاستعمار-؛ تبنت تلك الدعوات مبدأ الخلاص من الخطيئة الذاتية كمدخل للتثليث والأقانيم والتجسد الإلهي، فإن المسلم مهما قل تدينه وتعليمه يجد نفرة شديدة من عقيدة التثليث وتأليه المسيح؛ فلذلك اهتم المنصرون بعقيدة الخطيئة الأصلية والخلاص الإلهي؛ لتمويه عقائدهم الشركية الوثنية وصبغها بنوع من التبريرات الفلسفية والأسطورية، لا سيما إذا راعى المنصرون في عرض تلك الأسطورة الفلسفية الوثنية الإشكالات النفسية والعقلية لمن يحاولون تنصيره.
يقول الشيخ رشيد رضا -رحمه الله-: "نرى دعاة التنصير المنبثين في بلادنا قد جعلوا قاعدة دعوتهم وأساسها عقيدة صلب المسيح فداء عن البشر، فهذه العقيدة عندهم هي أصل الدين وأساسه، والتثليث يليها في الترتيب؛ لأن أصل الدين وأساسه هو الذي يُدعى إليه أولاً ويجعل ما عداه تابعًا له" اهـ .
ومَن تأمل اليوم مسالك المنصرين ومداخلهم -حتى الكنائس الشرقية التي خوَّل إليها الغرب قدرًا كبيرًا من مهام التنصير-؛ وجد ذلك بأوضح ما يكون حتى إنك لتظن -بادي الأمر- أن معتنقو التثليث إنما اعتنقوه بناءً على عقيدة الخطيئة الموروثة، مع أن واقع القوم وتواريخهم على خلاف ذلك؛ فعامة النصارى المثلثين لا يحسنون فلسفة الخلاص، ولا ارتباطها الوثيق -أو الذي جعلوه وثيقًا- بعقيدة التجسد والتثليث!
أما الشواهد التاريخية: فإن أول مَن وضع تصورًا فلسفيًا كاملاً لعقيدة الخلاص من الخطيئة الموروثة هو القديس "أوغسطين"، وذلك في أوائل القرن الخامس الميلادي أي: بعد استقرار عقيدة التجسد والتثليث في القرن الرابع الميلادي عبر أهم مَجمعين من مجامع النصارى: "مجمع نيقية 325م - ومجمع القسطنطينية 381م"، ولم يبين هذان المجمعان عقيدة الخلاص من الخطيئة الأصلية إلا بإشارة عابرة: "الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وصلب... ".
فالتلازم الوثيق بين التجسد وفلسفة الخلاص نمى واكتمل بعد تقرير التجسد والتثليث، وإنما يسعى المنصرون دائمًا للربط بينهما؛ للإيهام بحتمية التجسد الإلهي -كما يقولون!-.
ولذلك وجد في القديم والحديث فِرَق من النصارى المثلثين لا يقرون بمبدأ التلازم بين الخطيئة الأصلية والتجسد الإلهي، بل ومنهم مَن لا يقر بمبدأ الخطيئة الأصلية أصلاً، وإن كان جمهورهم وفرقهم المشهورة قد استقروا على خلاف ذلك.
لقد كانت محاولة أوغسطين -ومَن جاء بعده مِن فلاسفة النصرانية- هو إيجاد تبرير مناسب لتلك المنزلة الوضيعة التي جعلوا فيها الرب -سبحانه وتعالى- متحدًا بجسد بشري يناله من عوارض البشرية وطبائعها ما ينال سائر البشر، بل ويناله مِن أخس عباده من الشتم والبصق والضرب والصلب ما يتنزه عنه مقام الألوهية والربوبية!