النظام الاجتماعي في الإسلام
إيهاب إبراهيم • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلقد قرر علماء الاجتماع ومنهم "ابن خلدون" في مقدمته: "أن الإنسان مدني الطبع"؛ لذلك فهو دائمًا يعيش في المجتمعات، ويسعى لإنشائها.
وفي سعي الإنسانية لبناء المجتمعات تقرر لديه أنه لا بد لهذا المجتمع مِن نظام عام، ينضوي تحته أفراد هذا المجتمع؛ يحدد حرياتهم، وينظم العلاقة بينهم، ويجازي المعتدي منهم، ويثيب المحسن، وتكون له مجموعة مِن الأطر والأعراف، تُحمد أو تذم عند أفراده، ولا شك أن هذه الأمور تُبنى على أساس يكون بمثابة القاعدة لها.
ولو نظرنا عبر العصور -على اختلاف الأمم- لوجدنا أن كل أمة اتخذت أساسًا لها -وهو ما يسمى الآن أيدلوجية-، وبنت عليه قوانينها، والنظام الذي تسير بموجبه.
فعلى سبيل المثال: مجتمع الفرس قبل الإسلام جعلوا القوة والقومية الفارسية هي أساس نظام المجتمع، أما العرب فكانت القبيلة، وجعل الرومان المال والنفوذ، ونرى الآن مجتمعات جعلوا الحرية المطلقة، أو العلمانية، أو الاشتراكية هي أساس نظام المجتمع.
ولا شك أن كل مجتمع تأثر سلبًا أو إيجابًا بالأساس الذي وضعه ليقوم عليه النظام العام للمجتمع، وتُستوحَى منه القوانين حسب صلاح أو فساد ذلك الأساس.
وجاء الإسلام فوضع معيارًا جديدًا لقيام المجتمع؛ ألا وهو: "العقيدة الإسلامية"، فالمطلوب من المسلم في حياته هو إقامة الدين والدنيا لله -سبحانه وتعالى-، والتعبد بذلك، وكما قلنا: إن الإنسان مدني الطبع، وهذا أيضًا ما تعلمه المسلم من دينه، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات:13) ؛ لذلك كان مِن البديهي أن يكون أساس قيام المجتمع العقيدة الإسلامية.
وبنظرة على الفرق بين الأسس الأخرى والإسلام نجد أن:
الإسلام هو أصلح نظام يقوم عليه المجتمع، حيث كانت المجتمعات تقوم على أساس العرق -وليس لأحد اختيار عرقه-، أو اللون -وليس لأحد اختيار لونه-، أو القبيلة -وليس لأحد أيضًا اختيار قبيلته-، وبذلك يكون أساس المجتمع قام من أجل فئة معينة، لا يصلح انضمام أي أحد إليها.
أما الإسلام: فهو أساس وُضع للعالمين، ويقرر أن أصل البشر واحد، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (النساء:1) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) .
فيستطيع أي أحد الدخول إلى المجتمع الإسلامي من أي قبيلة أو عرق، وكذلك لا يوجد إقليم مُفضل على آخر؛ فالأرض كلها لله، فبمجرد النطق بالشهادتين يصبح عضوًا في المجتمع الإسلامي، له كل الحقوق وعليه كل الواجبات، شأنه شأن كل المسلمين.
أما إن رفض الدخول والانضمام إلى الإسلام، فيستطيع أن يعيش بين المسلمين تحت عقد الذمة، وتكون له الحرية في ممارسة دينه، وله الأمان، ولكن بشرط الدخول تحت النظام العام الإسلامي.
ثم ننظر الآن إلى أثر اتخاذ المجتمع العقيدة الإسلامية كأساس له، ودور هذه العقيدة في تنظيم العلاقة بين أفراده، والآثار الإيجابية التي تنتج عنها.
فبالنسبة للعلاقة بين أفرد المجتمع ككل، تقرر العقيدة الإسلامية أن التفاضل بين الناس إنما يكون بالتقوى والصلاح وحسن الأخلاق، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات:13) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
كما تقوم العلاقة بينهم أيضًا على الأخوة الإيمانية، فكما قلنا: إن الإسلام يعتبر أصل الناس واحد، وأن أباهم واحد، وأن المسلمين إخوة في الدين، قال -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات:10) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) .
وبذلك تذوب العصبية للجنس أو القبيلة أو اللون، حيث اعتبرها الإسلام مِن نتن القول والفعل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما هاجت العصبية للقبيلة بين المهاجرين والأنصار: ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) (متفق عليه) .
بل يكون الولاء والعداء، والحب والبغض لله، وفي الله، هذا هو المعيار في المجتمع الإسلامي، قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (المائدة:55) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أوْثَقُ عُرَى الإِيمانِ: الموَالاةَ فِي الله والمعاداة فِي الله، والحبُّ فِي الله والبُغْضُ فِي الله ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني لأل ) .
وتكون المودة والرحمة هي سمة المجتمع المسلم، فيكون المجتمع كالبنيان الواحد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) ، والمجتمعات بطبيعة الحال تتكون من أفراد وأسر، ولننظر الآن إلى عناية النظام الإسلامي بالفرد والأسرة.