هل سماع المعازف من مسائل الخلاف السائغ؟
الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة
السؤال:
هل الاستماع إلى المعازف من المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف؟! حيث سمعت بعضهم يقول: "إنها مسألة خلافية، ومن شاء أن يستمع إليها؛ فليستمع!".
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالقول بحل المعازف قول باطل مصادم للنص الصحيح الصريح في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (رواه البخاري معلقـًا مجزومًا به، وصححه النووي، وابن حجر، والألباني) .
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ مِزْمَارِ شَيْطَانٍ وَلَعِبٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشُ وُجُوهٍ وَشَقُّ جُيُوبٍ وَرَنَّةُ شَيْطَانٍ ) (رواه الترمذي والحاكم واللفظ له، وصححه الألباني) .
قال ابن القيم -رحمه الله- في إغاثة اللهفان (1/226): "قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه في تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقًا فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه، وقد كان الناس فيما مضى يستسر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارًا، ثم ازداد الأمر إدبارًا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين -وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة والنقير، واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله، وجاهرت به جماعة المسلمين، وشاقت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) .
فرأيتُ أن أوضح الحق، وأكشف عن شبه أهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصي الأرض ودانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها، والله ولي التوفيق... ثم قال: أما مالك -رحمه الله- فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب. وسئل مالك -رحمه الله-: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
قال: وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب. وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي، وغيرهم... لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا أيضًا بين أهل البصرة في المنع منه.
قلت: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها: كالمزمار، والدف حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر -هذا لفظهم-، ورووا في ذلك حديثًا لا يصح رفعه.
قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره. وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم؛ لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض. قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه أو ضربه سياطًا، وإن شاء أزعجه عن داره.
وأما الشافعي فقال في كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.
وصرَّح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله: كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحق، وابن الصباغ.
قال الشيخ أبو إسحق في التنبيه: ولا تصح -يعني الإجارة- على منفعة محرمة: كالغناء والزمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافًا. وقال في المهذب: ولا يجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه: كالميتة، والدم.
فقد تضمن كلام الشيخ أمورًا:
أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنزلة أكله عوضًا عن الميتة والدم.
الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمُغني، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله في مقابلة محرم، وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
الخامس: أن الزمر حرام.
وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حرامًا؛ فكيف بما هو أشد منه: كالعود، والطنبور، واليراع؟! ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور.
وكذلك قال أبو زكريا النووي في روضته: القسم الثاني: أن يغني ببعض آلات الغناء بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مطرب: كالطنبور، والعود، والصنج، وسائر المعازف والأوتار يحرم استعماله واستماعه. قال: وفي اليراع وجهان: صحح البغوي التحريم، ثم ذكر عن الغزالي الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع وهو الشبابة.
وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتابًا في تحريم اليراع.