شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل سماع المعازف من مسائل الخلاف السائغ؟

الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة

وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء، فقال في فتاويه: أما إباحة هذا السماع وتحليله؛ فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة والدف منفردًا، فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهم بيِّن من الصائر إليه، تنادي عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستروح إليه ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد.

قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله -تعالى-: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) .

وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم: المحللون لما حرم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه.

والشافعي وقدماء أصحابه والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً في ذلك، وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن، فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد في الدنيا يغني به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه؛ فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر. قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم، فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: "كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".

ومَن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين.

فصل:

وأما مذهب الإمام أحمد؛ فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. قال عبد الله: وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى القطان يقول: "لو أن رجلاً عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقًا" .

قال أحمد: وقال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله". ونص على كسر ألآت اللهو كالطنبور، وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها، وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان.

ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفًا أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة لا تساوي ألفين. فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام.

فصل:

وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد فمن أعظم المحرمات، وأشدها فسادًا للدين.

قال الشافعي -رحمه الله-: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، وأغلظ القول فيه، وقال: هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثًا.

قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيهًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا.

قال: وكان الشافعي يكره التغبير وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن.

قال: وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام، ومستمعه فاسق، واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما.

قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد وعبيد الله بن الحسن فإنه قال: وما خالف في الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد فإن الساجي حكى عنه: أنه كان لا يرى به بأسًا. والثاني: عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وهو مطعون فيه. قال أبو بكر الطرطوشي: وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين؛ لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعة، ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وليس في الأمة مَن رأى هذا الرأي.

قلت: ومِن أعظم المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله في المسجد الأقصى عشية عرفة، ويقيمونه أيضًا في مسجد الخيف أيام منى، وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفي مرارًا، ورأيتهم يقيمونه بالمسجد الحرام نفسه، والناس في الطواف؛ فاستدعيت حزب الله وفرَّقنا شملهم، ورأيتهم يقيمونه بعرفات والناس في الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله، وهم في هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء! فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح في عدالة من أقرهم ومنصبه الديني" انتهى .

قال النووي -رحمه الله- في شرح مسلم (1/18): "ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهري حيث جعل مثل ذلك انقطاعًا قادحًا في الصحة، واستروح إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث مجيبًا عن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ... )، فزعم أنه وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيح؛ لأن البخاري قال فيه: قال: هشام بن عمار، وساقه بإسناده فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام، وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه:

أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلاً من جهة أن البخاري لقي هشامًا وسمع منه، وقد قررنا في كتابنا علوم الحديث أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأي لفظ كان كما يحمل قول الصحابي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه، وكذا غير قال من الألفاظ.

الثاني: أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري.

الصفحة السابقة الصفحة التالية