هل سماع المعازف من مسائل الخلاف السائغ؟
الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة
وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير والذهب، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا؛ ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية.
وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء، أو من يُشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت، وقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق، عملا بهذه السنة الصحيحة.
وسئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه، فقال: "كسب المخنث خبيث، كسبه بالغناء". نقله عنه المروذي.
وفي تحريم ضرب المخنث بالدف حديث مرفوع، خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف. فأما الغناء بغير ضرب دف، فإن كان على وجه الحداء والنَّصْب فهو جائز. وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة. والنَّصْب: شبيه الحداء، قاله الهروي وغيره، وهذا من باب المباحات التي تفعل أحيانًا للراحة.
فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ ) (رواه البخاري) ، والمراد: أنه يجعله عوضًا عن الغناء فيطرب به ويلتذ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر.
وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أيضًا، وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة... فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع، ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه، وذم استماعه، ولم يرخص فيه أحد يعتد به. وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين. وقد روى الإمام أحمد، عن إسحاق الطباع، أنه سأل مالكًا عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي، وهو من علماء أهل المدينة -أيضًا-.
وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذلك، وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء. وقال أحمد: الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب: أتيناكم أتيناكم.
وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم، فمحرم مجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذلك، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى.
وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يرخص فيه مطلقًا للنساء. وقد روي عن أحمد ما يشهد له، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا، كصاحب "المغني"، وغيره.
والثاني: إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم.
والثالث: أنه لا يرخص فيه بحال. وهو قول النخعي وأبي عبيد، وجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها.
وقال الحسن: ليس الدف من أمر المسلمين في شيء. ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة.
وقد سئل أحمد على ذلك فتوقف، وكأنه حصل عنده تردد: هل كانت كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الأعاجم فيه جرس؟ وقد قيل لأحمد: الدف فيهِ جرس؟ قال: لا.
وقد نص على منع الدف المصلصل.
وقال مالك في الدف: هو من اللهو الخفيف، فإذا دعي إلى وليمة، فوجد فيها دفًا فلا أرى أن يرجع. وقاله القاسم من أصحابه. وقال أصبغ -منهم-: يرجع لذلك.
وفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر، خرج ابن ماجه من رواية الشعبي، قال: شهد عياض الأشعري عيدًا بالأنبار، فقال: ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله؟! ومن رواية الشعبي، عن قيس بن سعد، قال: ما كان شيء على عهد رسول الله إلا وقد رأيته، إلا شيء واحد، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقلس له يوم الفطر. قال يزيد بن هارون: التقليس: ضرب الدف.
وقال يوسف بن عدي: التقليس: أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق، يلعبون بالطبل وغير ذلك. وقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد، سميناه: "نزهة الأسماع في مسألة السماع"، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة.
قال القرطبي -رحمه الله-: "قلت: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور المستحسنات، والخمر، وغير ذلك مما يحرك الطباع ومخرجها عن الاعتدال، أو يثير كامنًا من حب اللهو؛ مثل قول بعضهم:
ذهبي اللون تحسب من وجنتيه النار تقتدح
خـوفـوني من فضيحته ليته وافى وأفتضح
لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه الأزمان، على ما بيناه في غير هذا الموضع" الجامع لأحكام القرآن (13/79) .
وقال: "السادسة: وفي الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو؛ لقوله: ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ ) على قول مجاهد، وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه، وروى نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم. فمضى حتى قلت له: لا. فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق. وقال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج على الاعتدال؛ فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة لقمان -إن شاء الله تعالى-" الجامع لأحكام القرآن (10/290) .