شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل سماع المعازف من مسائل الخلاف السائغ؟

الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في فتح الباري (6/77): "الحديث الثاني (952): حدثنا عبيد بن إسماعيل: نا أبو اسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الانصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث. قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: مزامر الشيطان في بيت رسول الله -وذلك في يوم عيد-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ).

في هذا الحديث: الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب. وإن سمع ذلك النساء والرجال، وإن كان معه دف مثل دف العرب، وهو يشبه الغربال. وقد خرجه البخاري في آخر (كتاب العيدين) من رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، والنبي متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وجهه، فقال: ( دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيْدٍ )، وتلك الأيام: أيام منى.

ولا ريب أن العرب كان لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، كما في حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ" وخرجه الترمذي وابن ماجه، بإسناد فيه ضعف.

فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرخص لهم في أوقات الأفراح: كالأعياد، والنكاح، وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار، وما كان في معناها.

فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد اعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه، حتى قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل". وروي عنه مرفوعًا.

وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم.

فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا. وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظًا ولا معنى، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناءً ولا دفًا، وإنما هي قضايا أعيان وقع الإقرار عليها، وليس لها من عموم.

وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب.

وقد صحت الأخبار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذم من يستمع القينات في آخر الزمان، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي المأخوذة عن الأعاجم.

وقد خرَّج البخاري في "الأشربة" حديث عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك -أو أبي عامر- الأشعري، عن النبي في ذلك، كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله سبحانه وتعالى-. فقال فيه: "قال هشام بن عمار"، فذكره. والظاهر: أنه سمعه من هشام، وقد رواه عن هشام الحسن بن سفيان النسوي، وخرجه من طريقه البيهقي وغيره، وخرجه الطبراني: نا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، نا هشام بن عمار. فصح واتصل عن هشام. وخرجه أبو داود من وجه آخر مختصرًا.

وقد بيَّنت عائشة أن الجاريتين إنما كانا يغنيان بغناء بعاث، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور، وباؤه مثلثة وعينه مهملة، ومنهم من حكى أنها معجمة، قال الخطابي: هو يوم مشهور من أيام العرب، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره.

قالَ: وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب، وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش والابتهار للحرم، فهو المحظور من الغناء، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه، أو يترك النكير لهُ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به.

قالَ: وقول عائشة: "ليستا بمغنيتين"، إنما بينت ذلك؛ لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة، وذلك لا يليق بحضرته، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة.

وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لا ينكر من الغناء النَّصْب والحداء ونحوهما، وقد رخص فيه غير واحد من السلف. قالَ: وقوله: ( هَذَا عِيدُنَا ) يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير" انتهى .

وفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل بأنها أيام عيد، فدل على أن المقتضي للمنع قائم، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد. وقد أقر أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع. وقد قال كثير من السلف، منهم: قتادة: "الشيطان قرآنه الشعر، ومؤذنه المزمار، ومصايده النساء". وروي ذلك من حديث أبي أمامة مرفوعًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية