من بشريات النصر القادم
محمد سرحان • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن هدي القرآن البشارة وقت الشدة والأزمات، ففي وقت الاستضعاف والمسلمون يسامون سوء العذاب نزل قول الله -تعالى-: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (القمر:45) ، بشارة بالنصر في "غزوة بدر"، والحال ما هو معلوم من الشدة والتضييق.
وحينما أُخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة مهاجرًا بعد أن تمالأ الكفار عليه، واجتمعوا على قتله، فنجاه الله مِن بين أيديهم، وطلبوه حيًا أو ميتًا، ووضعوا لذلك الجوائز؛ نزل عليه قول الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) (القصص:85) ، بشارة بعودته إلى مكة منتصرًا.
وكان هذا هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا، فلما اشتد الأمر على صحابته في مكة جاءوا إليه يشكون ويطلبون الدعاء بالنصر، فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: ( كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .
وكان يبشِّر أصحابه بهذا النصر القادم، وبملك كسرى وقيصر، حتى كان المشركون يتهكمون عليهم، فيقولون: جاءكم ملوك الأرض!
وهو مهاجر إلى المدينة يلحق به سراقة بن مالك يريد الجائزة، فيمنعه الله منه، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال له: كيف بك يا سراقة إذا لبِستَ سواري كسرى؟! وقد كان هذا بالنسبة إلى سراقة ضرب من الوهم ومن الخيال؛ كيف لهذا المطارَد الذي يريده قومه حيًا أو ميتًا بأي ثمن أن يبشره بأنه سيملك ما تحت قدمي كسرى وقيصر!
وفي غزوة الأحزاب، ولأمر ما قاله الله -تعالى-: ( وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا ) (الأحزاب:10-11) ، عدو من أمامهم، وعدو من خلفهم، وشدة برد وجوع، القلوب انتقلت من مكانها حتى وصلت إلى الحنجرة من شدة الخوف والاضطراب، وكل يظن بالله على حسب إيمانه، تعترض المسلمون في الخندق كدية لم تعمل فيها المعاول، فينزل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الخندق، وقد ربط على بطنه حجرين من الجوع، فيضربها الضربة الأولى، ويقول: ( اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ الآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ). ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ، وَقَالَ: ( اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنَ الأَبْيَضَ الآنَ ). ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَقَطَعَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: ( اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ) (رواه أحمد والنسائي في السنن الكبرى، وحسنه الحافظ ابن حجر) .
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْد النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الآخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: ( يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟ )، قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ: ( فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلا اللَّهَ -قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلاَدَ-، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى ). قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟! قَالَ: ( كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلاَ يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ... ) قَالَ عَدِيٌّ: "فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ... " (رواه البخاري) .
وبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته ببشريات عامة بنصرة الإسلام، وظهوره وعلوه على كل الملل والنحل، والمذاهب والأديان، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ) (رواه مسلم) ، وقال: ( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .