حول أحكام الصول والحرابة
أحمد الفيشاوي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيحتاج المسلم لمعرفة حدود الله -تعالى-، والالتزام بها حتى وإن كان مظلومًا معتدى عليه، والعقوبة التي يستحقها الظالم يحددها رب العباد وخالقهم ومالكهم -عز وجل-، وليس للعبد مع الله رأي أو حكم.
وفي وقت الفتن تكثر السرقات والسطو، وانتهاك الحرمات، ويتساهل السُّراق والمجرمين في شهر السلاح وإراقة الدماء، ونحتاج لمعرفة أحكام الشرع في التعامل مع هؤلاء دون إفراط أو تفريط.
وهذه جملة مختصرة في أحكام المعتدين المجرمين، نسأل الله -تعالى- أن يحفظ دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
1- ما الفرق بين الصائل قاطع الطريق وبين غيره من السراق واللصوص والمنتهبين؟
قال في المعجم: "صال عليه صولاً وصولانًا: سطا عليه ليقهره".
وقال في منار السبيل في قطاع الطريق: "هم المكلفون الملتزمون الذين يخرجون على الناس فيأخذون أموالهم مجاهرة، فإن أخذوا مختفين فسراق، وإن اختطفوا وهربوا فمنتهبون لا قطع عليهم؛ لأن عادة قطاع الطريق القهر، فاعتبر ذلك فيهم".
2- هل يشترط في المحارب أن يصول بسلاح أم يدخل في ذلك عدوانه بأي مثقل كان: كحديدة وعصا وحجر، ونحو ذلك؟
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- بعد أن ذكر قول مَن يشترط السلاح في الحرابة: "وسواء حاربوا بالسيف ونحوه مِن المحددات أو بغير ذلك مِن العصي والحجارة، ونحوها من المثقلات، فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن مَن قاتل على أخذ المال بأي نوع كان مِن أنواع القتال؛ فهو محارب قاطع، كما أن مَن قاتل المسلمين مِن الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال؛ فهو محارب" (اهـ السياسة الشرعية) .
3- هل الصائل داخل العمران في حكم المحارب أم بمنزلة المختلس والمنتهب؟
قال ابن رشد -رحمه الله-: "أما الحرابة فاتفقوا على أنها إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر "المدن والقرى"، واختلفوا فيمن حارب داخل المصر" (اهـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد) .
وجماهير أهل العلم على أنه لا فرق بيْن الصحارى والبنيان، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: "لا يكون محاربًا إلا إن شهره خارج البنيان".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولو شهروا السلاح في البنيان -لا في الصحراء- لأخذ المال، فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين، بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب... وقال أكثرهم: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد، وهذا قول مالك -في المشهور عنه- والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء... وهذا هو الصواب؛ لا سيما هؤلاء المتحزبون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر: "المنسر"، وكانوا يسمون ببغداد: "العيارين" (اهـ السياسة الشرعية) .
4 - جواز دفع الصائل بما يندفع به غالبًا ولو أدى ذلك لقتله:
قال في "مسائل الجمهور": "لا خلاف يُعلم بين الفقهاء في أن الرجل إذا عرض له مَن يريد نفسه أو ماله أو عرضه أن له دفعه، وأن له قتاله إن لم يندفع إلا بالقتال، وأن له قتله إن لم يندفع إلا بالقتل." انتهى .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني) ، وفي رواية: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد) ( مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .
5- هل يتعين البدء بالأخف أم يجوز بدء المحارب بالقتل؟
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "فإذا أريد مالُ المرء أو دمُه دافع عنه بالأسهل؛ هذا مذهب الشافعي، وأحمد... وذهب طائفة إلى أن مَن أراد ماله أو دمه، أبيح له قتله ابتداءً، ودخل على ابن عمر -رضي الله عنهما- لص، فقام إليه بالسيف صلتًا، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله.
وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة، قال: اقتله بأي قتلة قدرت عليها. وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى هاربًا مِن غير جناية، منهم: أيوب السختياني. وخرَّج الإمام أحمد مِن حديث عبادة بن الصامت، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الدار حرمك، فمن دخل عليك حرمك فاقتله، ولكن في إسناده ضعف" (اهـ من جامع العلوم والحكم) .
وقال -رحمه الله-: "شهر السلاح لطلب القتل: هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابن الزبير وعائشة -رضي الله عنهم- رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك. وكذلك قطع الطريق بمجرده: هل يبيح القتل أم لا؛ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة؟ وقول الله -عز وجل-: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) (المائدة:32) ، يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في الفساد في الأرض: الحرابة" (اهـ من جامع العلوم والحكم) .
قال في منتقى الأخبار: "باب دفع الصائل وإن أدى إلى قتله، وأن المصول عليه يقتل شهيدًا: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي، قَالَ: ( فَلا تُعْطِهِ مَالَك ). قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: ( قَاتِلْهُ ). قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ( فَأَنْتَ شَهِيدٌ ). قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ: ( هُوَ فِي النَّارِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ، وَفِي لَفْظِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ عَدَا عَلَى مَالِي؟ قَالَ: ( أَنْشِدْ اللَّهَ )، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: ( أَنْشِدْ اللَّهَ )، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: ( قَاتِلْ، فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ ). فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّهُ يُدْفَعُ بِالأَسْهَلِ فَالأَسْهَلِ".