حول أحكام الصول والحرابة
أحمد الفيشاوي • قضايا معاصرة
قال الشوكاني -رحمه الله- في فوائد الباب: "ينبغي تقديم الأخف فالأخف، فلا يعدل المدافع إلى القتل مع إمكان الدفع بدونه، ويدل على ذلك أمره -صلى الله عليه وسلم- بإنشاد الله قبل المقاتلة".
واختار الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في شرحه لصحيح مسلم جواز البدء بالقتل إن خاف أن يبادره الصائل.
وقال الإمام القرافي -رحمه الله-: "النظر في دفع الصائل: في المدفوع، والمدفوع عنه، والدفع. أما المدفوع: فكل صائل، إنسانا كان أو غيره، فمن خشي من ذلك فدفعه عن نفسه فهو هدر... والمدفوع عنه: كل معصوم من نفس، أو بضع، أو مال. وأما الدفع: فقال القاضي أبو بكر: لا يقصد القتل، بل الدفع، فإن أدى للقتل فذلك، إلا أن يعلم أنه لا يندفع إلا بالقتل فيقصد ابتداءً، ولو قدر المصولُ عليه على الهرب مِن غير مضرة تلحقه، لم يدفع... " (انتهى من الذخيرة) .
6- هل يرخص في قتل الصائل على القليل والكثير أم على الكثير فقط؟
قال الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه لصحيح مسلم: "باب الدليل على أن مَن قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم... "، وذكر حديث: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ( فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ ). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: ( قَاتِلْهُ ). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ( فَأَنْتَ شَهِيدٌ ). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ( هُوَ فِي النَّارِ ). ثم قال في الشرح: "وأما أحكام الباب ففيه: جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلاً أو كثيرًا؛ لعموم الحديث، وهذا قول جماهير العلماء، وقال بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب الشيء الخفيف، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير" اهـ .
7- هل يشرع ترك مدافعة الصائل؟
إن كان الصائل يطلب العِرض أو النساء؛ فيجب دفعه اتفاقًا، ولا يسقط الوجوب إلا إن علم عجزه عن الدفع, قال النووي: "وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف" (مسلم بشرح النووي) .
وقال في منار السبيل: "ويجب أن يدفع عن حريمه وحريم غيره؛ لأنه بذلك يؤدي حق الله من الكف عن الفاحشة والعدوان، وحق نفسه بالمنع عن أهله؛ فلا يسعه إضاعة الحقين، ويسقط وجوب الدفع بإياسه من فائدته" اهـ .
أما إن كان يطلب المال، فالمال حق الآدمي؛ ولذلك يجوز تركه، ولا تجب المدافعة، وهذا قول جماهير أهل العلم. وقال بعضهم: بل يجب مدافعته، قال النووي -رحمه الله-: "وشذ مَن قال بالوجوب". وقال: "وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلا تُعْطِهِ ): فمعناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء" (مسلم بشرح النووي) .
بل استحب بعضهم ترك المال وعدم المدافعة إن كان يؤدي لسفك الدماء إيثارًا لحقنها؛ لا سيما إن كان الصائل مسلمًا، أو إن خاف المصول عليه على نفسه، وكان في بقائه مصلحة دينية، وربما لم يمكنه إثبات كون المقتول صائلاً، فيجلب لنفسه التهمة والعقاب.
قال في منار السبيل: "لا يجب عليه أن يدفع عن ماله، وله بذله لمن أراده منه ظلمًا، وذكر القاضي أنه أفضل من الدفع عنه, قال أحمد في رواية حنبل: أرى دفعه إليه، ولا يأتي على نفسه؛ لأنها لا عوض لها" اهـ .
وروي عن الزبير -رضي الله عنه- أنه تخلف يومًا عن الجيش ومعه جارية، فأتاه رجلان فقالا: "أعطنا شيئًا". فألقى إليهما طعامًا كان معه. فقالا: "خل عن الجارية". فضربهما بالسيف.
أما إن كان يطلب النفس؛ فأظهر الأقوال أنه يجب الدفع إلا إذا كان قتال فتنة، وهو قول الحنابلة -كما في منار السبيل-.
8- ما هو حد قطاع الطرق المحاربين؟
قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أو يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (المائدة:33-34) .
قال في مسائل الجمهور: "جمهور أهل العلم على أن قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا.. )، نزل بشأن المسلمين إذا أفسدوا في الأرض، وهو قول مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: نزلت الآية في أهل الشرك، وهو قول الحسن البصري، وعطاء" اهـ .
قال ابن رشد -رحمه الله-: "كتاب الحرابة: الأصل في حكمهم قول الله -تعالى-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... )، وذلك أن هذه الآية عند الجمهور في المحاربين، وقال بعض الناس: إنها نزلت في النفر الذين ارتدوا زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- واستاقوا الإبل... والصحيح أنها في المحاربين؛ لقوله -تعالى-: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )، وليس عدم القدرة عليهم بشرط في توبة الكفار، فبقي أنها في المحاربين" اهـ .
وقال ابن قدامة -رحمه الله- مرجحًا مذهب الجمهور: "ولنا قول الله -تعالى-: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ... )، والكفار تُقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال" (المغني) .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية: "المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يُطلق على أنواع من الشر". ثم قال بعد أن ذكر قول مَن قال إنها نزلت في أهل الشرك: "والصحيح أن الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات" اهـ .
9- هل العقاب المذكور في الآية على الترتيب على قدر جناية المحارب أم على التخيير للقاضي حسب ما يراه مِن المصلحة وزجر الناس؟