حول أحكام الصول والحرابة
أحمد الفيشاوي • قضايا معاصرة
قال ابن رشد: "وأما ما يجب على المحارب، فاتفقوا على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين، واتفقوا على أن حق الله هو القتل والصلب، وقطع الأيدي وقطع الأرجل من خلاف، والنفي على ما نص الله -تعالى- في آية الحرابة. واختلفوا في هذه العقوبات: هل هي على التخيير أو مرتبة على قدر جناية المحارب" (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) .
وقال أيضًا: "ذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وجماعة من العلماء إلى أن هذه العقوبة مرتبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها عليه، فلا يقتل من المحاربين إلا مَن قتل، ولا يقطع إلا من أخذ المال، ولا ينفى إلا من لم يأخذ المال ولا قتل, وقال قوم: بل الإمام مخير فيهم على الإطلاق، سواء قتل أم لم يقتل، أخذ المال أو لم يأخذه؟".
أما حقوق الآدميين فمستحقة بصرف النظر عن عقوبة المحارب التي أوقعها عليه القاضي, ولا يسقط حق الله حقوق الآدميين حتى لو تاب المحارب قبل القدرة عليه.
قال في منار السبيل: "ومَن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله -تعالى- من نفي وقطع يد ورجل، وتحتم قتل وصلب؛ لقوله -تعالى-: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )، وأخذ بحقوق الآدميين من نفس وطرف ومال، ولا أن يعفى مستحقها؛ لأنه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة كالضمان".
10- هل للمنتهب والغاصب حد؟
ليس للمنتهب والغاصب ونحوهما حد منصوص عليه، ما لم يشهروا سلاحًا أو آلة فيكونوا بذلك محاربًين -كما تقدم-، لكن يعزرون بما يحصل به الزجر والردع لهم ولأمثالهم، وفي جميع الأحوال على المنتهب والغاصب الضمان.
وإن غصب الغاصب عرضًا؛ فقيل: عليه القتل سواءً كان محصنًا أم لا؟ وهو الراجح، وهو قول السدى -رحمه الله-. قال: "لو أن رجلاً أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم, أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم" ذكر ذلك تفسيرًا لقوله -تعالى-: ( مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) (الأحزاب:61) ، وإنما قال ذلك؛ لأن مِن المنافقين مَن كان يتبع النساء إذا خرجن، ويتعرض لهن يبغي الفاحشة، ولو أمكنه غصبهن لفعل؛ فنزلت الآيات: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) (الأحزاب:59-61) .
قال السدى: "كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها" اهـ . ولذلك قال عطاء وعكرمة في تفسير: ( وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ): هم أصحاب الفواحش, وتفاسير السلف لمرض القلب المقصود هنا قريب من هذا.
11- بم يصدق قول المصول عليه أن المقتول كان صائلاً معتديًا؟
ينبغي أن يعلم المصول عليه أن عليه البينة على قوله، ولا يُصدق بمجرد دعواه؛ وإلا كان ذلك بابًا لكل مَن أراد أن يعتدي على غيره أن يدعي أنه صال عليه، أو نازعه ماله ونحو ذلك. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْبَيِّنَةَ على المدَّعي واليمينَ على مَنْ أنكر ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
قال في المغني: "فصل: وإذا قتل رجلاً، وادعى أنه وجده مع امرأته، أو أنه قتله دفعًا عن نفسه، أو أنه دخل منزله يكابره على ماله، فلم يقدر على دفعه إلا بقتله؛ لم يقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص" اهـ .
والبينة: إما شهود أو إقرار أولياء المقتول أو اعتراف المقتول قبل أن تزهق روحه.
12- هل للمعتدى عليه العفو عن الصائل أو المحارب؟
أما المحارب: فتقدم قول ابن رشد: "أما ما يجب على المحارب، فاتفقوا على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين... "، فليس لصاحب الحق أن يعفو إلا عن حقوقه، أما عقاب المحارب على حرابته وقطعه الطريق فهو حق لله؛ فلا يسقط بالعفو إلا أن يتوب عن حرابته قبل القدرة عليه، ويجتهد القاضي في ترجيح العقوبة الشرعية المناسبة حسب اجتهاده في فهم آية سورة المائدة -كما سلف-.
أما المنتهب والغاصب للأموال ونحو ذلك من حقوق الادمين؛ فلصاحب الحق ألا يرفعه للقاضي، وله أن يعفو عن كل أو بعض حقوقه.
13- هل للمحارب وقاطع الطريق توبة؟
أما بينه وبين الله -تعالى- فلا يمنعه منها إلا الموت، وتنفعه في الآخرة -بإذن الله-، أما في أحكام الدنيا؛ فلا تسقط عقوبته على الحرابة إلا بالتوبة قبل أن يقدر عليه، فإن تاب بعد القبض عليه نفعته توبته إن كان صادقًا عند الله، ولا تسقط عنه العقوبة الشرعية، قال الله -تعالى-: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ )، فمن لم تثبت له توبة قبل القدرة عليه فهو داخل فيمن يستحقون عقوبة الحرابة.
نسأل الله -تعالى- أن يتوب على المسلمين جميعًا، وأن يؤمننا في ديارنا وأهلينا, إنه ولي ذلك والقادر عليه.