خواطر في الاقتصاد والنهضة
ياسر عبد التواب • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالنظر إلى الشأن الاقتصادي ليس حكرًا على أحد، ولئن كان الحديث عنه بشكل علمي هو لصيق بالمختصين، لكنه نظرًا لالتصاقه بالحياة العامة، وتأثر الجميع به؛ فيجب الاستماع في أحواله إلى الجميع، فلعل فكرة تبدر من هنا أو هناك يكون لها أثر أو فائدة.
وفي بلدنا نعرف جميعًا أن ثمة مشكلات اقتصادية ورثناها عن العهد البائد، إرث ثقيل من الإهمال وسوء التخطيط، والقرارات غير المدروسة وغير المنصفة أيضًا، وتخبط القرارات، والرضوخ لضغوط الآخرين، فضلاً عن استشراء الفساد الذي عمل على توزيع المكاسب الشخصية على بائعي الوطن دون اعتبار لمصلحة البلد الحقيقية.
باعوا الأراضي... جرفوا الزراعة... بخسوا الممتلكات... احتكروا المواد الأولية بيعًا وتصنيعًا... عطلوا الصناعات الأساسية... نهبوا المعادن والذهب... أمموا القناة لصالحهم... شوهوا سمعة السياحة بابتزاز السياح... كل ذلك تم؛ فماذا ننتظر من دولة ذلك حالها؟!
ومع ذلك فيجب ألا نفقد الأمل، فكل المشاكل لها حلول إن توكلنا على الله -تعالى-، وأتقنا عملنا تخطيطًا وتنفيذًا.
فهلم نوصف الحال، ثم نتصور الحل.
لكل داء دواء يستطب به إلا الحـماقـة أعـيت من يداويها
وهدة مالية أو تدهور اقتصادي... هذا ما يصح أن نصف به حالنا هذه الأيام، لا لم تصل الأمور للانحدار الذي يُطلق عليه أزمة اقتصادية، ولا بالطبع أن يقال انهيارًا اقتصاديًا، فذلك بعيد مهما حاول البعض ادعاءه؛ بخسًا للحقيقة، وبيعًا للحشف! وليس هذا مجرد تفاؤل، بل هو تحليل موضوعي لحالنا، بعيدًا عن التخويف والتهويل، وليس فيه قدر من التهوين ما دمنا قلنا هي وهدة أو تدهور، ولم ندفن رؤوسنا في الرمال.
فالأزمة الاقتصادية هي اضطراب فجائي يطرأ على التوازن الاقتصادي في قطر ما أو عدة أقطار، وهي تطلق بصفة خاصة على الاضطراب الناشئ عن اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فينتج عنه ركود أو نضوب للمنتجات، وهذا لا يحدث لدينا، فلدينا فقط سوء تخطيط بينما لدينا موارد تكفينا لو أحسنا استغلالها.
وتعليل الأزمات الاقتصادية لدى الاقتصاديين أنها تظهر بسبب الفوضى في الإنتاج وعدم المساواة في توزيع الثروات، أو قلة استهلاك الطبقة العاملة.
وبخلاف هذا يفسر الكثير من الاقتصاديين الأزمة المالية بالعوامل النقدية، وبصورة خاصة إساءة استعمال الائتمان عن طريق التوسع فيه بحيث يؤدي إن آجلاً أو عاجلاً إلى رفع أسعار الفائدة، فيقل التداول النقدي، ويعجز المنتجون عن تصريف سلعهم، وهذا يؤدي إلى انخفاض في الأسعار بحيث يصل إلى حد يؤدي إلى زيادة الطلب فتنتعش الأسعار نسبيًا، ويتسع نطاق الإنتاج، ويقبل الأفراد على الاقتراض، وتزداد عملية الخصم، وهكذا تبدأ الدورة من جديد بالمغالاة في الاقتراض، وإساءة استخدام نظام الائتمان.
وفي الحقيقة فإن عملنا وثرواتنا ليست وهمية كما يحدث في نظام الائتمان الذي يبيع الوهم على أصول ثابتة يتم تداولها على نحو سبّب الكارثة العقارية لأمريكا، ولا يقوم اقتصادنا على هذا -والحمد لله-، وليس هذا هو واقعنا؛ فنحن نعاني من سوء استخدام الموارد الهائلة التي لدينا، مع كثير من الفساد وكثير من الجهل، وقليل من العمل!
إن الفساد هو الذي يقبع خلف حجب المعلومات عن المستفيدين منها، كم ضاع مستقبل شباب من البلد وهم يسعون خلف أوهام السفر والرخاء خارج مصر، وربما غامر منهم طوائف فركبوا البحور وغرقوا، أو استدانوا ليسافروا، ولو كان ثمة استغلال لخيرات البلد؛ لعم الرخاء فيها والستر، و لما ألجئ هؤلاء لهذا العنت والمشقة، ولا تأخر سن الزواج حتى صارت العنوسة أصلاً، لكن من البلاء أن تقع البلاد فريسة للظلم أو الجهل.
حتى إن المسئولة الأوربية "كاترين آشتون" تقول: "إن مصر لديها ثروات تكفي لمساعدة ربع الدول الأوروبية إذا استغلت تلك الثروات بشكل جيد، وإن ما تمت سرقته وإهداره من أموال وأرصدة وثروات مصر الطبيعية خلال الـ15 عامًا الماضية من نظام مبارك طبقًا لمعلومات الاتحاد الأوروبي وأرقامه المؤكدة يبلغ 5 تريليونات دولار أميركي، وكان ذلك المبلغ يكفي في تحويل مصر إلى دولة أوروبية متقدمة، وكان يكفي لظهور 90 مليون مليونير كبير في مصر".
يا سيدتي لا نريد مليونيرات... فقط نريد لكل شاب وأسرة عيشة كريمة تكفي حاجاتهم الأولية من طعام وكساء، ومسكن وعلاج بشكل لائق كريم؛ هل هذا كثير؟! أم يستكثره علينا الحاقدون الباخسون؟!
بلدنا بلد الخير... منحها الله خزائن وكنوز الأرض؛ فقط تحتاج لحفيظ عليم كنبي الله يوسف -عليه السلام-، حفيظ هو، أمين لا يسرق ولا يرتشي ولا يفجر، وعليم هو من يدرك قيمة ما لديه، ومِن ثَمَّ يخطط وينفذ، ويستثمر ويربي، فيبارك الله -تعالى- فيما أعطى وأكرم.
أول طريق النهضة الاقتصادية هو أن نعرف أن ارتباطًا تامًا بين الزراعة والتصنيع والتجارة، أسس ثلاث لا انفكاك بينها، وحدة متكاملة، ويجب الربط بين نهضتها جميعًا، لا صناعة بدون زراعة تمده بالخامات، ولا تجارة بدون تحسين الصناعة، والتي منها الصناعة القائمة على استغلال خيرات الأرض الزراعية والمعدنية.
ولقد ابتلينا بزمان الاستعمار الذي منعنا فيه من التصنيع؛ لأن الإنجليز كانوا يرغبون في تفرغنا لإنتاج الخامات، وليسوِّقوا علينا إنتاجهم، ثم جاء الفكر الاشتراكي؛ فأعلى شأن الصناعة على حساب الزراعة، فأهملناها وتراخينا في الصناعة أيضًا، فالعامل يجد نفسه أقوى مِن أن يحاسب فأهمل، ثم ورد فكر السوق فجاء ليكمل المسيرة، ويحول الدفة نحو التجارة والانفتاح، فنافسوا بتجارتهم أسواقنا الواعدة فأضروها.
ولو كان ثمة تخطيط سليم يراعي التوازن لم نكن أبدًا لنصل لمثل هذا الحال، فهل تحقق حكومات الثورة ذلك؟!