دولتهم المدنية: عسكرية ديكتاتورية نخبوية!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فرغم أن لنا تحفظاتٍ على "وثيقة الأزهر" إلا أنها قدمت حلاً جيدًا لقضية مصطلح الدولة المدنية الذي تصر عليه بعض القوى التي تُسمي نفسها: بالـ"مدنية"، في مقابل رفض الإسلاميين له مِن باب أن مصطلح: "الدولة المدنية" كمصطلح مركب يساوي مصطلح: "الدولة العالمانية".
وفي هذا الصدد حاول دعاة تلك الدولة المدنية أن يقنعونا أنهم ما قصدوا بها إلا رفض نموذج الدولة الثيوقراطية، ونموذج الحكم العسكري، ونموذج الحكم الديكتاتوري، وأنهم لا يريدون قط ترسيخ العالمانية، ولا يرغبون في العدوان على "المادة الثانية"، ومِن ثَمَّ خرجت "وثيقة الأزهر" مِن هذا المأزق بعبارة: "مصر دولة دستورية ديمقراطية حديثة".
وهذه العبارة تفي -كما هو واضح- بجميع الأغراض "المعلنة" التي يرددها دعاة الدولة المدنية؛ بينما لا تفي بأغراض الإسلاميين -ومِن ورائهم الجموع الشعبية الهادرة- إلا بضميمة "المادة الثانية"، ومع هذا... فاصل وماطل وساوم مَن حضر مناقشة تلك الوثيقة مِن العالمانيين مطالبًا باختصار وضم هذه الكلمات الثلاث مرة أخرى تحت مصطلح: الدولة المدنية، مع القسَم بأغلظ الأيمان بأنهم لا يريدون، ولم ولن يحاولوا أن يمرروا العالمانية تحت مسمى المدنية.
ودارت عجلة الأحداث وأُجل الدستور إلى حينه... وعندما جاء ذلك الحين؛ وجدنا أن القوم لا يريدون مِن ذلك المصطلح إلا العالمانية ليس إلا، وأن كل المضامين الأخرى هم ما بيْن مؤيد لضدها أو مستجيز لاستعماله على الأقل!
فأثاروا قضية الهيئة التأسيسية، وهل ينبغي أن تكون من أعضاء البرلمان أم مِن خارجه؟ ومال معظمهم إلى أنها يجب أن تكون من خارجه؛ لحاجة في نفوسهم، وأقرت الأغلبية في البرلمان أن تكون اللجنة مناصفة بين الداخل والخارج، وطمع العالمانيون في أن يأخذوا 12% من الداخل وكل الـ 50% التي بالخارج، فلما جاءت قائمة المائة يغلب عليها ذوو التوجه الإسلامي -"بنسبة ضعيفة جدًا لا تعبِّر عن نسبة حقيقية للإسلاميين داخل البرلمان وخارجه"- خلع العالمانيون كل برقع، وظهرت النوايا الحقيقة، وأنهم ضد أن ينفرد تيار واحد بكتابة الدستور -يعنون التيار الإسلامي-!
وإذا علمتَ أن التيار الإسلامي لا يملك إلا أغلبية طفيفة جدًا مِن اللجنة، علمت أن عدم انفراد التيار الإسلامي بكتابة الدستور في عرف هؤلاء تساوي أن يكون لهم هم -ومِن ثَمَّ كالأغلبية- وأن ينفردوا بكتابة الدستور، وأن يكتبوا دولة مدنية "واللي مش عاجبه يخبط رأسه في الحيط!" -كما قال "جورج إسحاق" قبل ذلك-.
والأدهى مِن ذلك: المسالك "الديمقراطية الليبرالية الحديثة" التي سلكها دعاة الدولة المدنية، والتي أكدت لنا بما لا يدع أي مجال للشك أنهم لا يعرفون مِن معاني المدنية إلا "العالمانية"، وأن ممارستهم العملية أقرب إلى العالمانية الفاشية الشمولية القمعية النخبوية التسلطية العسكرية... إلى آخر ما شئت مِن أوصاف.
وحتى لا تظن أنني أتجنى على القوم؛ فإليك شيئًا مِن ردود أفعالهم:
ومحطتنا الأولى عند الثائر العظيم... المهندس "ممدوح حمزة" الذي موَّل وأشرف على مظاهرات كان شعارها: "يسقط يسقط حكم العسكر!"، دعك مِن التهم الأخرى المنظورة أمام القضاء، والتسجيلات التي ادعى أنها مفبركة عليه، هذا المجلس العسكري الذي قالوا لنا: إنهم يريدون إسقاطه يُطلب منه الآن أن ينقلب على الديمقراطية، ويلغي تأسيسية الدستور، بل أن يحل مجلس الشعب! وهذا مما يؤكد أن بعض الرموز يريدون الحكم لهم، وحينئذ سوف يصفونه بأنه مدني رشيد!
فإذا لم يمكن هذا ولم يبقَ بد إلا حُكم مَن يختاره الشعب برلمانًا ورئاسة، أو حكم العسكر؛ فليكن حكم العسكر إلى أن يستطيعوا الإيقاع بهم في فخ آخر يهتفون بعده: "يسقط يسقط حكم العسكر"، بشرط أن يسقط في أيديهم، وهم يحاصرون مبنى وزارة الدفاع.
ومِن هنا تعلم: الفرق بين مصطلح "تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة" وبيْن "يسقط يسقط حكم العسكر" التي ما فتئ المهندس "ممدوح حمزة" يرددها هو وآخرون، لكن الأهم مِن هذا: أن ندرك أن دعاة الدولة المدنية لا مانع عندهم مِن فرضها بالقوة العسكرية!
فإن عجبتَ لموقف المهندس "ممدوح حمزة" قيراطًا فاعجب لموقف الأستاذ "سامح عاشور" نقيب المحامين أربعة وعشرين قيراطًا، وهو رجل القانون ويترأس نقابة كانت تمثِّل رئة الحرية في عصر المخلوع، وهو ومع ذلك يطالب العسكري بإصدار إعلان دستوري بتشكيل هيئة أخرى للدستور، ولم يذكر حتى أي استفتاء دستوري، وكأن الشعب لا علاقة له بما يحدث، وأنه يمكن نسخ إعلان دستوري مبني على استفتاء شعبي بإعلان دستوري ديكتاتوري من المجلس العسكري بصفته قائم بدور "الرئيس"، وهذا أمر لم يحدث حتى أيام المخلوع، وأظن أن هذا الطلب لا ينقصه إلا طلب آخر إلى "أمن الدولة" أقصد: "الأمن الوطني" باعتقال كل مَن يعترض على ذلك الإعلان الدستوري المزعوم، بل قد طالب البعض فعليًا بهذا!
وقد تقول: إن التيار الناصري الذي ينتمي إليه الأستاذ سامح مِن الوارد أن يستجيز أحيانًا صورًا من الديكتاتورية والشمولية، وثقافة الأخ الأكبر التي تولد منها "الأخ العقيد"، و"الزعيم الملهم"، ونحوها من التجارب الإنسانية...
ولكن ماذا تقول في الدكتور "عمرو حمزاوي"؟! وهو رمز ليبرالي كبير أثار لغطًا كبيرًا حينما قال: إنه إذا أراد أن يكون ليبراليًا حقًا فلا بد وأن ينادي بالزواج المدني، وزواج المسلمة مِن المسيحي! ثم عاد واعتذر وبيَّن في مواطن متعددة -منها: مناظرة بيني وبينه- أنه مع مرجعية الشريعة الإسلامية، بل قال: إنه إذا كانت هناك مادة تستحق أن توصف بأنها فوق دستورية؛ فهي "المادة الثانية" -كما أكد في حواره مع الشيخ "خالد عبد الله" نفس المعنى-، بل قال: إنه لو عرض قانون مخالف للشريعة فسيكون أول المصوتين: بلا، وقال: إنه إذا عرض قانون حجب المواقع الجنسية سيكون أول المصوتين: بنعم.