شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دولتهم المدنية: عسكرية ديكتاتورية نخبوية!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

لقد انسحب مبررًا انسحابه بأن أبناء دائرته لم يختاروه إلا ليدافع عن مدنية الدولة، وأنه رغم اختياره في الهيئة التأسيسية فإنه مع كون أنصار الدولة المدنية أقلية في تلك الهيئة فإنه لا بد وأن يرجع إلى أهل دائرته؛ ليستشيرهم، وبالفعل قام بعمل استبيان على صفحته على "الفيس بوك"، وفي اللحظة التي كانت نتيجة الاستبيان أن الغالبية مع الاستمرار أعلن انسحابه من الهيئة التأسيسية، وكان قبل انسحابه قد أعلن عن عدم ممانعته من تشكيل لجنة دستور موازية.

وهذا الموقف يستوجب أن نوجه له عدة أسئلة:

1- برر كثير مِن العالمانيين موقفهم الرافض لدخول أعضاء البرلمان في اللجنة بأن الشعب اختارهم كأعضاء في البرلمان، وليس ليكتبوا الدستور.

وتصريحات الدكتور "حمزاوي" تنسف هذه الشبهة تمامًا، وتؤكد أن أهل دائرته اختاروه مِن أجل الدستور، وإذا صح هذا في حق الأفراد فهو في حق الأحزاب مِن باب أولى؛ مما يدل على أن المعيار الأول الذي فاضل فيه الناخب بين اختيار وآخر هو رؤيته للدستور، اللهم إلا إذا كان يرى أن أهل دائرته هم فقط الذين يفهمون في السياسة، ومِن ثَمَّ يجب على نائبهم أن يحقق لهم ما طلبوه منه، وأن باقي الدوائر التي يعيش فيها الشعب المصري ليس لهم هذا الحق! وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية، وهي:

2- إذا سلمنا بأن الناخب الذي يريد دستورًا عالمانيًا اختار أحزابًا وأفرادًا عالمانية، والناخب الذي يريد دستورًا يجعل الشريعة هي مصدر التشريع، وضابطة الحقوق والواجبات اختار أحزابًا وأفرادًا إسلاميين، ثم إن النواب الإسلاميين رغم امتلاكهم أغلبية تمكنهم من قصر لجنة المائة عليهم؛ إلا إنهم اختاروا هم بأنفسهم عددًا مِن المرشحين المخالفين لتوجههم -"ولتوجه ناخبيهم بالطبع"- وأعطوا لهؤلاء نسبة تفوق نسبتهم في البرلمان إلا أن الأقلية العالمانية -ومنهم الدكتور- لم ترضَ، وطالبوا بنسبة في الهيئة تُمكِّنهم مِن فرض إرادة ناخبيهم!

إن لازم كلامه وفعله هو عين ما قاله أحدهم: "ألف صوت بلا بمائة ألف نعم"، وهذا معناه: أن الناخب ذا التوجه العالماني ناخب "على رأسه ريشة"، يكفي أن يصل بعدد محدود من النواب لينتزع هؤلاء رئاسة لجان، وصياغة بيانات، ثم صياغة دستور رغمًا عن الأغلبية الحقيقية!

أعلم أن الدكتور مهموم بحماية الأقلية مِن ديكتاتورية الأغلبية إلا أنه بهذه الصورة يمارس أبشع صور ديكتاتورية الأقلية النابعة من شعور بالفوقية والعلو لمن يبتعدون عن الأمة ودينها، وثقافتها "شرقًا أو غربًا"، وهو أمر في غاية الخطورة.

لقد سبق للدكتور أن لمز شعب مصر عندما أعلن أنه اختار الترشح في دائرة مصر الجديدة؛ لأن المستوى التعليمي والثقافي فيها يجعل أهلها يتفهمون أفكاره، ويتقبلونها؛ مما يعني أن باقي الدوائر ليست كذلك!

لقد أثبتت الأحداث أنها لم تكن كلمة عابرة، وإنما عقيدة راسخة لدى كثير مِن الليبراليين، ومع اعتراف الدكتور أن الدوائر التي يمكن أن يكون ذوو التوجه الليبرالي فيها أكثرية تكاد تكون منعدمة -وهو ما أكدته الصناديق- إلا أنه يرى أن مِن حق ناخبه عليه أن يفرض وجهة نظره، وليس مجرد عرضها، وإذا ما رفضت الأغلبية التي أتت بأصوات "عامة الشعب" فيا ويلها!

فالقنوات الفضائية هي الأخرى لا ترى إلا مَن هم مِن نوعية الدكتور وناخبيه! وهذه القنوات رغم ترفعهم عن كثير من العادات المصرية على اعتبار أنها عادات شعبية إلا أنهم يجيدون تمامًا الندب والنياحة التي لم يبرحوها منذ 19 مارس، وحتى تاريخه!

بيد أن هذه الفضائيات ليست بالخطر الداهم، فمعلوم للقاصي والداني أن برامج القناة تتلون بلون "مالكها"، لكن الآفة في "بدعة الموازي"، وهو ما نطرحه في النقطة التالية:

3- ثقافة الاحتجاج السلمي جديدة على الشعب المصري، ومنها: إنشاء كيانات موازية للكيانات المستبدة، ولكن: هل يمكن أن يكون العكس فإذا أسفرت الانتخابات عن برلمان ذي أغلبية إسلامية شكلت الأقلية برلمانًا موازيًا بأغلبية عالمانية أم أن هذا مِن باب تصحيح الخطأ للشعب الجاهل الأمي الذي لا يحسن الاختيار؟!

وإذا تفهمنا أن البرلمان الموازي، وحكومة الظل يمكن للأقلية أن تقدم مِن خلالهما أداءً تقارن الناس بينه وبين أداء الأغلبية؛ فماذا عن الدستور الموازي؟ هل سيتم استفتاء موازي عليه؟ وهل سيكون هذا الاستفتاء الموازي لعموم الشعب أم للعالمانيين فقط؟! وهل سيحتاج إلى جيش وشرطة موازيين لتأمينه أم ماذا؟!

4- أخيرًا -وهو في الواقع أهم سؤال-: ما الذي أزعج الدكتور على مدنية الدولة فجعله يفر مِن اللجنة فراره مِن الأسد، ثم يستشير أهل الدائرة، ورغم أن الأغلبية أشاروا عليه بعدم الانسحاب؛ إلا أنه أصر أن ينفد بجلده؟! ما الذي أزعجه إذا كان يرى مرجعية الشريعة، ويدافع عن الحرية المنضبطة بها كما كانت صورته التي خاض الانتخابات بها؟! حبذا لو تفضل الدكتور ببيان نقاط "خوفه" و"فزعه" مِن الامتثال لنتائج عملية ديمقراطية.

"بالمناسبة ماذا لو لم يتبرأ الدكتور مِن ليبرالية أمريكا وإنجلترا، ويعلن احترامه للشريعة؟ هل كان سيفوز في الانتخابات حتى لو ترشح في مصر الجديدة؟!".

الصفحة السابقة