شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لغة الحوار في الإسلام

زين العابدين كامل • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحوار وسيلة مهمة مِن وسائل الدعوة إلى الله والوصول إلى الحق، والحوار فن من الفنون، له أصول وأركان، وضوابط وآداب، وقد ورد لفظ الحوار في القران العظيم، فمن ذلك قوله -تعالى-: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (المجادلة:1) ، وقال -تعالى-: ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) (الكهف:37) .

ومن أصول الحوار المتفق عليها:

أولاً: الإخلاص والتجرد: فإخلاص النوايا لله والتجرد من حظ النفس أصل أصيل، وركن شديد، فلو أننا جلسنا سويًا في حوار وأخلصنا النوايا لله، وكانت نيتنا الحقيقية هي الوصول للحق؛ وفقنا الله للحق.

أما أن أجلس معك في حوار ونيتي أن أنتصر لنفسي وأثبت لك أن كلامي هو الصحيح، وأنتَ على خطأ، فهذه النية فيها خلل، وتحتاج إلى معالجة.

قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم".

وقال الشافعي -رحمه الله-: "ما ناظرتُ أحدًا إلا وددت أن يظهر الله الحق على لسانه".

تأمل هذه "القاعدة الذهبية"... لماذا ذهبية؟!

لأنها تنضح بالإخلاص.

هكذا كان سلفنا... نفوسهم كانت عالية سامية، أما التعصب لكلامي ووجهة نظري؛ فهذا مذموم، ولن نصل بذلك أبدًا إلى الإقناع الفكري المنشود، وبهذا التعصب تنتشر الفوضى الفكرية في المجتمع؛ لأن الفكر لا يُقاوم إلا بفكر مثله، ولكن بطريقة هادئة مهذبة هادفة، فلا بد من التخلص من "ديكتاتورية الأقلية" التي انتشرت هذه الأيام في بعض ميادين الجمهورية؛ لفرض رأيها على الآخرين دون حوار، فلا بد من العودة إلى لغة الحوار.

الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، والحق أحق أن يتبع

وعلينا ألا نخجل إذا اتضح الحق أثناء الحوار على لسان الخصم، فقضيتنا هي الوصول إلى الحق، والحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، والحق أحق أن يتبع، قال الله -تعالى-: ( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ) (يونس:35) ، فليكن شعارنا أثناء الحوار: "الحق أحق أن يتبع".

ثانيًا: العلم: فلا بد أن يقوم الحوار على الأدلة العلمية، وأن يكون المحاور متمكنًا علميًا، وعلى دراية كاملة بمذهبه ومذهب مخالفه أيضًا؛ لأن الخصم أو المحاور ربما أخذ من مذهبه ما يريد، وترك ما لا يريد؛ لأن فيه الحجة عليه، وقد كان شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- يأتيه الرجل ليناظره، فيذهب الرجل وقد أخذ علمًا جديدًا في مذهبه من شيخ الإسلام -رحمه الله-.

ثالثًا: العدل: لا بد من العدل في الحوار؛ فلا تنتصر لنفسك، ولكن انتصر للحق، فلا تنسِب لمن تحاوره ما لم يقله، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) .

على سبيل المثال: مِن الظلم أن يقول قائل: "إن العلمانيين في مصر جميعًا كفار!". لا يا أخي... هذا من الظلم، ولكن تمهل وتثبت، وتعامَل بالضوابط الشرعية.

فالعلمانية منها: العلمانية الجزئية، والشاملة، والمائعة، والصلبة، فلا بد أن نسمع من الخصم، هل علمانيته جزئية أم شاملة؟ أم أنه لا يفقه شيئًا أصلاً في العلمانية، ولكن أَحبَ هذا المصطلح لسبب من الأسباب ثم نادى به، ثم لا بد مِن سماعه والحوار معه، وإظهار الأدلة، وإقامة الحجج والبراهين عليه، ثم بعد ذلك نحكم عليه بعد استيفاء الشروط وانتقاء الموانع؛ فلا بد من العدل، ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8) .

رابعًا: حسن الاستماع: فمن وصايا لقمان -عليه السلام- لابنه وهو يعظه: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) (لقمان:18) ، أي لا تعرض بوجهك عن الناس أثناء الحوار إذا كلمتهم أو كلموك، وحسن الاستماع من حسن الخلق.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول".

واعلم أن حسن الاستماع يساعدك على استخلاص الحق أو الوقوف على شبهات وأخطاء المحاور، ولا تقاطعه أثناء حديثه، بل دوِّن في ورقة الملاحظات التي تريد أن ترد عليها، فإذا انتهى رددت عليه بهدوء، فذلك أدعى أن نصل سويًا إلى الحق.

قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه".

ومِن الضوابط أيضًا: "أنه يسعنا الخلاف في مسائل الاجتهاد"؛ فلابد أن نعلم جميعًا أن ما جاءنا محكمًا لا مجال فيه للرأي، وأما مسائل الاجتهاد فيسعنا فيها الخلاف، ففي سورة المائدة قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ... ) (المائدة:6) ، فلم يحدد ربنا في الآية حدود الوجه؛ لأنه لا خلاف فيه بين الناس، وإنما حدد الأيدي؛ لأنها محل خلاف؛ لذلك قال: ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ).

الصفحة التالية