شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لغة الحوار في الإسلام

زين العابدين كامل • مع الدعاة

إذن هناك مِن الأمور ما اتفق عليه الناس، وهناك ما اختلفوا فيه، ولعلنا كذلك قد نختلف في الفهم، وما قصة الصحابة -رضي الله عنهم- وهم في طريقهم إلى بني قريظة منا ببعيد، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: ( لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ )، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. (رواه البخاري ومسلم) .

فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب، والآخرون كان معهم مِن الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم، فالمقصود المبادرة والإسراع؛ لذلك فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب كما يقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله-، ففي مثل هذه الحالات يسعنا الخلاف، لكن التعصب للرأي والانفعال أثناء الحوار سيؤدي إلى الفرقة والنزاع، ولن يؤدي أبدًا إلى الهدف المرجو والمنشود، وقد قال الشافعي -رحمه الله-: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

فلا بد أن يدور الحوار في هذا الإطار بهذه الثقافة، وهذا الفكر المتزن، وهذا هو الذي تمسك به العلماء قديمًا؛ لذلك بقيت مذاهبهم وآراؤهم، فبهذا المنطق تتعايش الآراء، وينجح الحوار، فلا ضير ولا حرج أن نختلف في الفهم ومسائل الاجتهاد، ولكن المصيبة أن يتحول ذلك الخلاف إلى نزاع وفرقة، قال -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران:103) ، وقال: ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (الأنفال:46) .

فلا بد لنا أن نتخلص من آفة التعصب التي أضعفت شوكتنا، فهذا نداء إلى كل مَن يريد الحق مِن القوى السياسية والتيارات المختلفة، لا بد أن يتسم الحوار بيننا بهذه الضوابط والآداب.

ومِن أصول الحوار وآدابه -كذلك-: الحلم والرفق، والحفاظ على رابطة الإخوة، فلا بد في البرامج الحوارية على شاشات الفضائيات أن نتحلى بهذه الضوابط، وكذلك في الحوارات الثنائية بين الأفراد في جميع المواطن.

لا بد لنا -وإن اختلفنا- أن نحافظ على رابطة الأخوة، ولا نسارع في تمزيق هذه الرابطة

انظر إلى الإرشاد الرباني لأدب الحوار، قال الله -تعالى- لموسى وهارون -عليهما السلام-: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:43-44) . هل تأملت هذا الضابط: ( قَوْلاً لَيِّنًا ) أي: لطيفًا، مع أن فرعون جاوز الحد في الكفر، وقال: ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) (النازعات:24) ؟! لذا قال قتادة -رحمه الله-: "سبحانك ربي ما أحلمك، قلت لموسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً لينًا، وهو الذي يقول: ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى )؛ فكيف يكون حلمك بعبد يقول: سبحان ربي الأعلى؟!". فيا ليتنا نعود إلى هدي القرآن في الحوار، حتى مع غير المسلمين.

ولا بد لنا كذلك وإن اختلفنا أن نحافظ على رابطة الأخوة، ولا نسارع في تمزيق هذه الرابطة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولو أنه كلما اختلف مسلمان تهاجرا لم يبقَ بين المسلمين عصمة ولا أخوة".

وخذ هذه القاعدة الذهبية من علمائنا الأفاضل: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا؟!". هذه القاعدة الذهبية قالها الإمام الشافعي -رحمه الله- ليونس بن عبد الأعلى، وقالها الإمام أحمد لعلي بن المديني عندما اختلفا في مسألة وارتفعت أصواتهما، وعندما انتهيا؛ قام الإمام أحمد وقال للإمام علي بن المديني: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا في مسالة؟!".

فأنا أرسل هذه الرسالة مِن منبر "صوت السلف" إلى جميع طوائف الشعب المصري، على مستوى الأفراد والجماعات، والتيارات المختلفة: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا؟!".

كانت هذه خواطر لأحبابي وأبناء وطني الحبيب حول كيفية إدارة الحوار وآدابه، وضوابطه وأصوله، ولا ننسى شعارنا: "الحق أحق أن يتبع".

رب اجعل هذا البلد آمنًا، وسائر بلاد المسلمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة