قصة اختيارنا للدكتور "أبو الفتوح"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وقد ذكَّرناهم بالمخاوف التي كانوا هم أول مَن نادى بها إلى حد قولهم بأنهم لا يريدون مرشحًا ذي خلفية إسلامية، وبيَّنا لهم الفرق بيْن المهندس "خيرت" الذي له مِن المزايا ما يمكن أن يوازن هذا التخوف وبيْن غيره مِن المرشحين.
وفي ظل إصرار الإخوان على موقفهم "الجديد" رأت القوى والأحزاب الإسلامية الأساسية: "الدعوة السلفية - حزب النور - الجماعة الإسلامية - حزب البناء والتنمية - حزب الوسط" الحفاظ على النظرة الموضوعية التي تنادي برئيس إسلامي غير منتمٍ تنظيميًّا، ويكون قادرًا على إحداث اصطفاف وطني، في حين غلب على رموز بعض الجهات التنسيقية: كالهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح نظرية: "أن الإخوان هم رجال المرحلة" أو نظرية: "عدم شق الصف"، مع أن الأُولى غير مسلَّم بها، والثانية معكوسة إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ وظروف ترشح كل مِن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور " محمد مرسي".
وإذا كان الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" أسبق ترشحًا كما أن عدم انتمائه التنظيمي مزية كبيرة -كان الإخوان أنفسهم يسعون إليها عندما حاولوا مع المستشار البشري، والمستشار الغرياني، رغم أن المزية موجودة في "أبو الفتوح"- إلا أن جماعة الإخوان قيادة وقاعدة يرون أن الدكتور "أبو الفتوح" خرج على رأي مجلس شورى الجماعة، وبالتالي لا يستحق أن تدعمه الجماعة، بل ربما تعجب بعضهم مِن آلية الشورى في الدعوة السلفية، وفي الجماعة الإسلامية التي تفرز قرارًا بتأييد شخص خرج عن شورى الجماعة.
لو افترضنا أن د."أبو الفتوح" قد أخطأ؛ فهل يرقى ذلك الخطأ إلى منع الأمة مِن الاستفادة مِن قدراته والاصطفاف الوطني الذي حدث خلفه مما نحن في أمس حاجة له الآن؟!
وفي واقع الأمر إذا استصحبنا أن جماعات الدعوة إلى الله جماعات مِن المسلمين و"ليست جماعة المسلمين"، وأن الانتماء إلى أي منها انتماء رضائي قائم على قناعة الشخص بأهداف ووسائل الجماعة؛ فإن الشخص الذي يخالف جماعة الدعوة التي اختار العمل مِن خلالها لا سيما إذا كثرت القضايا أو كانت في أمر جلل فلا يسعه إلا التزام الشورى أو الاستقالة من الجماعة، وقد اختار الدكتور "أبو الفتوح" الطريق الثاني واستقال، وظل يتكلم عن الجماعة بكل ود واحترام؛ رغم أن منهم مَن شبهه بـ"عبد الناصر"! ومنهم مَن اتهمه بأنه سوف يمنع الحجاب، والصلاة في المساجد! ورغم تبرؤ الجماعة مِن هذه التصريحات إلا أن هذا القدر غير كافٍ، وكان ينبغي اتخاذ إجراء تأديبي في حق قائلها على الأقل.
فنحن لا نوافق جماعة الإخوان على اعتبار أن الدكتور "أبو الفتوح" قد خالف الشورى؛ لأنه استقال من الجماعة، ويبقى أن بعض رموز الإخوان: كالدكتور "الزعفراني" ترك الجماعة؛ احتجاجًا على انتخابات مكتب الإرشاد 2009، والتي خرج فيها "أبو الفتوح" من مكتب الإرشاد، في حين بقي في الجماعة كعضو مجلس شورى؛ مما يدل على نبل أخلاقه، وسعة صدره.
ثم لو افترضنا أن الدكتور "أبو الفتوح" قد أخطأ خطأ يستوجب التأديب؛ فهل يرقى ذلك الخطأ إلى منع الأمة مِن الاستفادة مِن قدراته الإدارية، والاصطفاف الوطني الذي حدث خلفه مما نحن في أمس حاجة له الآن؟!
إن الحساسية البالغة من الجماعة ضد مَن يستقيل منها -وإن استقال بكل أدب ولطف- يخالف ما عرف عن الإمام "البنا" -رحمه الله- مِن سعة الصدر مع المخالفين، ومنهم: المنشقين عن الجماعة -إن صح التعبير-، وقد ذكَّرتهم في مقالة سابقة بموقف الأستاذ "البنا" مِن جماعة "شباب محمد " الذين انشقوا عنه، فما كان منه إلا إن كان أول المتبرعين لهم، وليس هذا بموقف انفرد به الأستاذ "البنا"، وإنما كان يحاكي ما صنعه معه أساتذته: " محمد رشيد رضا" و"محب الدين الخطيب"، وأقرانه الكبار: كـ" محمد حامد الفقي" مؤسس جمعية أنصار السنة، وكل هؤلاء قد دعموا "البنا" في إنشاء جمعيته رغم وجود جمعياتهم ومؤسساتهم الدعوية؛ لمَّا وجدوا في أفكار "البنا" مِن إثراء لواقع الحركة الإسلامية آنذاك -ولعلنا نعود إلى تفصيل تلك النقطة في مقالة لاحقة إن شاء الله-.
غير أن المهم هنا طالما استقر الأمر على بقاء كل مِن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "مرسي" في السباق أن نوازن بينهما -وكلاهما فاضل-، فنقول بعد تقرير أسبقية "أبو الفتوح" وعدم انتمائه التنظيمي -وكلاهما ميزة هامة-: إن هناك بعض القواسم المشتركة بيْن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور " محمد مرسي"، منها:
- أن كلاً منهما ابن للحركة الإسلامية وإن رجحت كفة الدكتور "أبو الفتوح" في هذا الجانب أكثر حيث كان مِن مؤسسي الجماعة الإسلامية في السبعينات، ثم كان مِن الفريق الذي انضم إلى الإخوان مِن هذه الجماعة، ثم كان عضو مكتب الإرشاد، وقائدًا بارزًا مِن 1994 حتى 2009، بينما لم ينضم الدكتور " محمد مرسي" إلى الجماعة الإسلامية، ولا إلى الإخوان وهو طالب، ولكن انضم إليها بعد سفره إلى أمريكا لدراسة الدكتوراه.
جماعة الإخوان تقع في تناقض كبير عندما تستضيف بعض الدعاة السلفيين؛ ليردوا على د."أبو الفتوح" بمعايير سلفية في قضايا يقول مرشحهم فيها بعين أقواله؛ لا سيما مسألة ولاية الكافر، والمرأة، ومسألة حد الردة!
- ومنها: أن كلاً منهما ينتمي إلى المدرسة التي تبنت جماعة الإخوان المسلمين آرائها الفقهية منذ بداية الثمانينيات على الأقل، وهي مدرسة مِن رموزها: الدكتور "القرضاوي"، والشيخ "الغزالي"، والدكتور "العوا"، وهي مدرسة لها آراء لا توافق عليها المدرسة السلفية، ومِن ثَمَّ فقد أعلنا بوضوح أننا مع تأييدنا للدكتور "أبو الفتوح" إلا أننا نأخذ عليه هذه الأقوال، ومما يهوِّن مِن الخلاف فيها في هذه المرحلة أننا متفقون على البدء بالممكن، وهو متفق عليه تقريبًا بيننا، ولكن جماعة الإخوان تقع في تناقض كبير عندما تستضيف بعض الدعاة السلفيين؛ ليردوا على الدكتور "أبو الفتوح" بمعايير سلفية في قضايا يقول مرشحهم فيها بعين أقوال "أبو الفتوح"؛ لا سيما مسألة: ولاية الكافر، والمرأة، ومسألة: حد الردة!
- ومنها: أن كلاً منهما إذا أصبح رئيسًا فستكون له صلاحيات دستورية محدودة فلن يستطيع تطبيق الشريعة إلا كنظام عام، مع الاعتماد في التطبيق الشامل المتدرج على البرلمان والأزهر.