النظام الاقتصادي في الإسلام
إيهاب إبراهيم • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
لقد فطر الله الإنسان على كثير من الأشياء، ومنها: الطعام والشراب، والحاجة إلى اللباس والمأوى، ولا تتوفر هذه الأشياء إلا بسعي الإنسان للحصول عليها، وهو ما يُسمَّى بطلب الرزق، ويتكامل الناس فيما بينهم؛ إذ يوفر كل منهم حاجةَ الآخر.
هذا بالنسبة للفرد، أما على مستوى المجتمع، فيُمثِّل سعي جميع الأفراد النشاطَ الاقتصادي، ولا بد لهذا النشاط من قواعد وأصول يُبنى عليها حتى يحقق المصلحة المرجُوَّة لجميع أفراد المجتمع من غير إضرار بأحد، وهذه القواعد تسمى: "النظام الاقتصادي".
ومِن خصائص الإسلام: "أنه دين شامل"؛ لذا فقد وضع نظامًا ينظِّم العلاقات المادية وجميع المعاملات بين أفراده، عن طريق سَنِّ قوانين وقواعد عامة وخاصة.
ومن البدهي أنْ يبني المجتمع الإسلامي نظامه الاقتصادي على العقيدة الإسلامية، فقد جعلها أساسه في بناء المجتمع بجميع أركانه، وقد راعى الإسلام في بناء النظام الاقتصادي أيضًا الفطرة والأخلاق الفاضلة.
ولما كانت العقيدة الإسلامية أساس النظام الاقتصادي للمجتمع، فقد أثَّر ذلك في تصورات أفراده؛ إذ من المقرر أن كل نظام يؤثِّر في أفراده سلبًا وإيجابًا، فالإسلام يقرر حقيقة: أن المُلك لله وليس لأحد ملك خارج عنه، إذ الأرض ومَن فيها لله وحده؛ قال الله -تعالى-: ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (المائدة:18) .
وأن المال أيضًا ملك لله -سبحانه وتعالى-: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) (النور:33) ، غير أن الله -تبارك وتعالى- قد جعل للإنسان ولايةً على ذلك المال وملكًا مجازيًّا له؛ قال -تعالى-: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) (التغابن:15) ، وجعله مستخلفًا فيه وقائمًا عليه، قال -تعالى-: ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) (الحديد:7) ، غير أن هذه الملكية وهذا الاستخلاف من أجل أن يستعين العبد على طاعة الله والإنفاق فيها، فإن هذه الدنيا وسيلة وليست غاية في ذاتها، فهي تبلِّغه الآخرة.
إن هذه التصورات التي يُمليها النظام الاقتصادي الإسلامي على الأفراد، تُهيِّئه أولاً لتقبل قواعده وأصوله التي سوف يُبنى عليها، وهي أيضًا تجعل الإنسان يقف على حقيقة ما عليه في هذه الحياة، وما هو المطلوب منه، فينشأ المجتمع خاليًا مِن الطمع والجشع اللذين يقع فيهما بعض الناس متذرعًا بأنه يسعى لطلب الرزق.
فالعقيدة الإسلامية -كما قلنا- راعتْ في نظامها الاقتصادي "الفطرة"، فإن الإسلامَ جاء ليُقوِّم الفطرة، لا ليقضي عليها؛ فإن لها ضروريَّات، وقد أقر الإسلام بعض الفطر: كحب المال، قال -تعالى-: ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) (الفجر:20) ، ولكن كان يجب تهذيب هذا الحب، لا أن يدفع صاحبه للحصول عليه مما حرَّم الله.
كذلك راعَى الإسلام في نظامه الاقتصادي الأخلاق الفاضلة، فقد حرَّم كسب المال من السرقة والغصب، وحرم إنماءه من الغش والغَرَر بالناس، وحرم صرفَه في الفواحش والمنكرات، بل حث على كسبه مِن الحلال، وتنميته بالحلال، وإنفاقه فيما يُرضي الله -عز وجل-.
ومسألة الأخلاق منها ما تركه الإسلام للأفراد، مثل: مراعاة الأمانة والصدق، ومنها ما للدولة، فتدخل الدولة لتقويم نشاط الفرد الاقتصادي، كما إذا تاجر بالخمور.
وكذا مما اهتم به النظام الاقتصادي في الإسلام سد حاجات الأفراد، فالأصل أن كل فرد مسؤول عن سد حاجاته، ولكن قد لا يتمكن الفرد من ذلك لظروف معينة، مثل: العجز، والمرض، أو الشيخوخة، فقد فرض الإسلام على أسرته وأقاربه سدَّ حاجاته، فإن لم يستطيعوا كانت الزكاة التي هي من حقه في هذه الحالة، فإن لم تكفِ الزَّكاة لسد حاجات المحتاجين يتدخل بيت مال المسلمين، وله موارد أوسع من موارد الزكاة، فإن لم يكفِ بيت المال حثَّ الإمام الأغنياء على الصدقة كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى تكفي الفقراء، فإن لم يفِ ذلك؛ فرضت الدولة على الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء كما همَّ عمر -رضي الله عنه- أن يفعل ذلك، وغالبًا لا تصل الحالة إلى هذه المرحلة، بل لم يقع ذلك قط في دولة عادلة قائمة بالشرع، وإنما تكفي الخطوات السابقة.
قال ابن حزم -رحمه الله-: "وفرض على الأغنياء مِن أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقُمِ الزكاة بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومِن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنُّهم مِن المطر والصيف والشمس، وعيون المارة" (المحلى بالآثار:4/ 281 مسألة: 725) .
وقد وضع النظام الإسلامي مبادئ عامة مبنية -كما ذكرنا- على العقيدة الإسلامية، ومنها: حرية الأفراد في اختيار العمل.
لقد حثَّ الإسلام على العمل، وجعله من القربات مع استحضار نية الكسب الحلال للتقوي على العبادة والنفقات الواجبة؛ قال -تعالى-: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) (الجمعة:10) ، وقال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) (الملك:15) .
غير أنه لم يحدد لأحد عملاً معينًا، وترك حرية اختيار العمل لكل فرد، فقدرات الأفراد تختلف، ومواهبهم أيضًا، وتحديد عمل معين مِن قِبَل الدولة أو النظام يقتل المواهب، ويظلم البعض إذا تحملوا فوق قدرتهم أحيانًا.
كما أنه لا يوجد عمل يحتقره الإسلام ما دام مشروعًا، فالعقيدة الإسلامية تحكم على الأفراد بالتقوى والصلاح لا بالوظيفة، والعمل وسيلة لتحصيل المال للتقرب به إلى الله -سبحانه وتعالى-.
والتنافُس بيْن المسلمين مشروع، وفيه مصلحة المجتمع ككل، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) (رواه مسلم) ، بيد أن هذا التنافس لا يكون بالغش والإضرار بالآخرين، ولكن بمضاعفة الجهد والجودة.