النظام الاقتصادي في الإسلام
إيهاب إبراهيم • قضايا معاصرة
وكان العدل ومراعاة الفطرة -كما قررنا- هو السِّمة العامة للنظام الاقتصادي في الإسلام، فقد جعل للأفراد حق وحريةَ الملكية الخاصة وأقر بذلك؛ قال -تعالى-: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) (يس:71) ، وقال -تعالى-: ( فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:279) ، هذا هو مبدأ الإسلام: لا ظلم، فمن تعب في تحصيل المال فمن حقه أن يتملكه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ) (رواه أحمد والدارقطني، وصححه الألباني) .
فكل المال فيه حق الملكية للأفراد، ولكن أيضًا لم تجعل الشريعة هذا الحق مطلقًا بحيث يُحدِث ضررًا في المجتمع المسلم، فلا يجوز تملك المحرمات، مثل: الخمر، وأدوات المعازف. أما غير ذلك مما أباح الله، فلم تكتفِ الشريعة فقط بالاعتراف بحق الملكية فيه، بل قامت بحمايتها، فلا يجوز التعدي على ملك الآخرين؛ قال -تعالى-: ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) (النساء:2) .
ولكن مع إقرار الإسلام للملكية الخاصة للمال وحمايته، فقد وضعه تحت قواعد عامة وتنظيمات وقيود، فيجب أن يكون منشؤه مشروعًا، مثل: الاتِّجار المباح، أو الإرث، أو الهبة، وإلا أمر بنزعه ومعاقبة صاحبه، ولم ينظر إلى قدر المال، بل المعتبر حل مصدره، على العكس من الماركسية التي أخذتْ أموال الناس بغير حق، بدعوى أن المال الزائد عن حاجة الفرد لا يَحق له، ولم تراعِ أنه هو مَن تعب فيه؛ مما ولَّد الأحقاد بيْن طبقات المجتمع، وساوتْ بين المجتهد والمتواكل؛ مما يجعل البعض يسأل: لماذا أتعب وأعمل؟ فينشأ مجتمع متواكل، لا توجد به روح المنافسة ولا الإبداع.
وفي الوقت نفسه فرضت الشريعة على صاحب المال أخذَ جزء يسير من هذا المال؛ مواساة للفقراء والعاجزين عن العمل، من باب التكافل والأخوة الإيمانية التي يقوم عليها المجتمع، وجعلت على ذلك الأجر الكبير في الآخرة، يتمثل هذا الجزء في الزكاة.
هذا بالنسبة للقيود على نشأة المال، أما عن تنميته: فلا يجوز أن يُنمَّى من الحرام مثل: الاتجار بالمحرمات، والغش، والربا، والاحتكار، وهذا على العكس من النظام الرأسمالي، الذي رأى حق الملكية مطلقًا، فلا مواساةَ، ويحق تنمية المال بأي طريقة حتى ولو كانت عن طريق استغلال حاجة الناس بالاحتكار والربا؛ مما ولَّد الأحقاد بين أفراد المجتمع، فينشأ مجتمع تسوده الأثرة والغش.
وهناك قيود أيضًا على إنفاق هذا المال، فلا يجوز إنفاقه في المحرمات وما يغضب الله.
وقد ينزع الإسلام الملكية الخاصة بالكلية، ولكن عند ظروف معينة، مثل تعلق حق الآخرين بها، كحال المَدِين الذي حل دينه، وطلب الدائنون حقوقَهم من القاضي، أو عند احتياج الدولة الضروري لهذا الملك، مثل: قطعة أرض لتوسعة طريق، فيعوض صاحب الملك التعويضَ المُرْضِي من غير ضرر ولا إضرار.
وبعد هذا العرض السريع لخصائص النظام الاقتصادي الإسلامي المبني على العقيدة الإسلامية، يتبين لكل منصف ذي فطرة سليمة أنه النظام الوحيد القادر على تحقيق الاستقرار والرخاء، والعدالة والتنمية للمجتمعات، وأنه يصلح لكل عصر ومِصر، وأنه يظل شامخًا؛ فإنه من لدن حكيم خبير، في ظل سقوط الأنظمة الأخرى المبنية على مصالح بعض الأفراد، وأساسها زبالات أفهام البشر.
هذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.