"مرسي" و"شفيق" أم الجماعة والنظام؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ومِن الناحية السياسية: فإن هناك مسئولية تضامنية بيْن أفراد الحكومة؛ لا سيما في قضايا الفساد أو الإهمال الجسيم، وهي أمور لو زعمنا "عدم تلبس حكومة مبارك بها"؛ لكانت الثورة "غير مبررة بالمرة"، وأما إذا اتفقنا على تلبس الحكومة بأمور تتراوح بين الفساد والإهمال الجسيم، فسوف نتأكد أن الثورة مبررة، ولعل تردُّد الفريق "شفيق" في بعض حواراته حول ما أسماه حينئذٍ بـ"موجة الغضب": هل هي مبررة أم غير مبررة؟ راجع إلى نظرته إلى أداء زملائه في الحكومة: هل تراوح بين الفساد والإهمال الجسيم أم لم يرقَ إلى هذا ولا ذاك؟!
المؤشرات كلها تتجه إلى أن الفريق "شفيق" حال وصوله للحكم سوف يكون مدينًا بالدعم والتأييد والحشد لكثير مِن رموز الفساد
وليت الأمر يقتصر على الماضي... فإن المؤشرات كلها تتجه إلى أن الفريق "شفيق" حال وصوله إلى الحكم سوف يكون مدينًا بالدعم والتأييد والحشد لكثير مِن رموز الفساد، ولن أتحدث هنا عن تقارير مسربة تتحدث عن دور فلان أو علان، أو دور قنوات فضائية تضم كوكبة من "رجال مبارك" الذين ارتدوا رداء الثورة فجأة يوم التنحي، واستمروا على ذلك فترة ثم ألقوه عن عاتقهم في حركة سينمائية "ترشحهم أن يقفوا أمام الكاميرا في أفلام الأكشن بدلاً مِن برامج التوك شو!".
لن أتحدث عن ذلك... ولكن سأتحدث عن مؤتمرات حاشدة حضرها يعص هؤلاء، ومنهم: "عبد الرحيم الغول" الذي شرَّف نفسه بلقب: "أبو الفلول" في مصر! وهذا الرجل يقسم النصارى -أغلظ الأيمان- أنه مدبر حادث الاعتداء على "كنيسة قنا" في ليلة عيد قبل الثورة بعام، ولا أدري: كيف يؤيد معظم نصارى مصر الفريق "شفيق" وهذا الرجل أحد أنصاره؟!
إذن... فنحن أمام مستقبل يخشى أن يكون صورة طبق الأصل مِن الماضي متى وصل الفريق "شفيق" للحكم، ومع هذا فتبقى المقارنة في كل الأحوال بين جماعة الإخوان وجماعة النظام البائد في صالح جماعة الإخوان؛ حتى لو أخذتَ في "نقد الإخوان" أعنف المذاهب وأشدها.
فماذا يقولون عن الإخوان؟!
التكويش الإخواني عند مَن لم تطمئنه تصريحات الدكتور مرسي لن يصل في أسوأ أحواله إلى عشر تكويش النظام السابق
- الإخوان سوف "يكوشون على السلطة": وهذا اتهام مبني على ظن أنهم سوف يفعلون، ولكن جماعة "النظام البائد" كوشت، وما زالت... وستكون "أكثر تكويشًا على السلطة"، وقدرتها على التكويش أعلى وخبرتها أكبر، ولن تحتاج إلى كبير عناء، ويكفي فقط أن يصدر الرئيس القادم -إذا كان مِن النظام- أوامره -التي أصدرها بالفعل قبل أن يصل!- ببقاء الحال على ما هو عليه، وأما "تكويش الإخوان" فمخاوف أظن أنها تلاشت أو كادت بعد الالتزامات الأخيرة من الدكتور "مرسي".
ثم إن هذا "التكويش الإخواني" عند مَن لم تطمئنه تصريحات الدكتور "مرسي" لن يصل في أسوأ أحواله إلى "عشر تكويش النظام السابق" الذي يحاول الآن الاصطفاف حول الفريق "شفيق".
- وبالطبع البعض يردد: "إن تعهدات الإخوان لا تعدو أن تكون من جنس تعهدات أخرى قالوها وتراجعوا عنها".
وفي الواقع: إن السياق مختلف تمامًا، فوعود الإخوان الأخرى كانت أشبه بخطاب نوايا إعلامية ليس فيه التزامات مع أطراف أخرى، وطال الزمان عليها وتغيرت أوضاع اقتضت مِن وجهة نظر جماعة الإخوان تغيير الاجتهاد، وإن لم تقرهم على ذلك القوى الأخرى، ولكن الآن يوجد التزامات واضحة تتعلق باللحظة الراهنة، ولا يمكن لفصيل سياسي ذي مرجعية إسلامية أن يتنصل منها، والديانة والسياسة كلاهما يحتمان عليه الوفاء بها؛ وإلا حكم على نفسه بالعزلة التامة المبكرة.
- ومما يقولونه: إن الدكتور "مرسي" سوف يتبع المرشد.
ومرة ثانية: فإن هذه المخاوف قد تناقصت كثيرًا بعد الالتزامات الأخيرة للدكتور "مرسي"، ولكن: هل يظن مَن يعوِّل على هذا التخوف أن الفريق "شفيق" لن يكون له بطانة ومستشارون تحت مسميات مختلفة؟!
ألم نسمع بخبر ترشيح "توفيق عكاشة" لوزارة الإعلام حال فوز الفريق "شفيق" وهو خبر أذاعه "عكاشة" ولم ينفهِ الفريق "شفيق"، بل قد يعضده تكرر استضافة عكاشة لـ"شفيق"؟!
الحاصل: إن المقارنة الأهم بين المرشحَيْن مِن حيثية الكيان السياسي والاجتماعي الذي أفرز كلاً منهما سوف تكون محسومة تمامًا للدكتور " محمد مرسي" مِن وجهة نظري؛ حيث إنه مرشح لجماعة إسلامية وطنية عارضت "النظام السابق"، ودفعت فاتورة معارضتها له، وحمت الثورة بشهادة الفريق "شفيق" نفسه! حتى وإن كان لي أو لك أو لغيرنا مآخذ عليها تزيد أو تنقص، بينما الفريق "شفيق" بغض النظر عن شخصه هو نتاج النظام الذي انتفض الشعب ضده، وقدَّم شهداءَ من أجل تغييره.
خيار المقاطعة لا يكون صحيحًا إلا لمن يستوي عنده المرشحان تمامًا والذي يجد أي فرق بين المرشحين عليه أن ينحاز إلى الأقرب إليه منهما
فإذا انحصر الاختيار بين هذين... فمن تختار؟!
مع الأخذ في الاعتبار أنه ما ثَمَّ خيار ثالث بما في ذلك: "إبطال الصوت أو المقاطعة"؛ لأن هذا الاختيار لن يغير من واقع الأمر شيئًا مِن أن أحد هذين الرجلين سوف يفوز في الانتخابات، ومع كل منهما نحو ستة ملايين صوت أخذها في الجولة الأولى، فلو خرج هؤلاء فقط في الجولة الثانية؛ فلن تسقط شرعية الانتخابات، فلا يستفيد المقاطع إلا أن يُفقد نفسه ومَن يستجيب إلى دعوته الفرصة لاختيار الأقرب إلى أفكاره وطموحاته.
إن خيار المقاطعة لا يكون خيارًا صحيحًا إلا لمن يستوي عنده المرشحان تمامًا حُسنًا أو سُوءًا، ومِن ثَمَّ فقد كان مستغربًا أن يعلن الأستاذ "حمدين صباحي" عدم انحيازه إلى أي مِن المرشحين، ثم ينفي أن ذلك يعتبر تسوية بينهما، وفي الواقع: إن الذي يجد أي فرق بين المرشحين -ولو طفيفًا- عليه أن ينحاز إلى الأقرب إليه منهما.
- ومِن عجيب ما تسمع... نصيحة رمز كبير لحزب سياسي قديم للناخب: ألا ينتخب إلا المرشح الذي يرتضيه تمامًا!
وهذا الشرط لا يكاد يوجد في انتخابات الجولة الأولى؛ فكيف بانتخابات الإعادة؟! ولا أدري: هل يدرك هذا الرجل وغيره ماذا تعني الإعادة أصلاً، وما هي فلسفتها؟!