شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالإضافة إلى كونه الرسول المبلِّغ عن الله، هو الحاكم للأمة، والقائد الذي يعقد المعاهدات ويحرِّك الجيوش، وهو القاضي الذي يقضي بيْن الناس في خصوماتهم.

وبوفاته -صلى الله عليه وسلم- انقطعت النبوة، واحتاجت الأمة إلى مَن يخلفه في الحكم، وأجمع الصحابة على ذلك حتى إنهم قدَّموا اختيار خليفته في الحكم على تغسيله وتجهيزه -صلى الله عليه وسلم-، ومِن ثَمَّ أجمعت الأمة على وجوب تنصيب الخليفة.

وانطلاقًا مِن نصوص شرعية عامة تتبين بعض القوانين، وعلى رأسها:

1- وجوب تحكيم شرع الله -تبارك وتعالى- على الحاكم والمحكوم: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ... ) (المائدة:49) .

2- وجوب طاعة ولي الأمر ما أطاع الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) .

3- لزوم الشورى: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) (آل عمران:159) ، ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) .

4- ضرورة أن يكون للمسلمين إمام واحد ما أمكن: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران:103) .

5- وجوب إنكار منكرات الحكام لدخولهم بصفة عامة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ، والنص عليهم خاصة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

وإنكار منكرات الحكام شأنه شأن غيره من حالات إنكار المنكر يُراعى فيها "المصالح والمفاسد"؛ إلا أن المفاسد المتوقعة مِن إنكار منكرات الحكام الظلمة قد تكون أشد من غيرها؛ لذلك حذَّر منها العلماء، وظن البعض أن هذا إغلاق لباب الإنكار على الحكام تمامًا! وهذا مخالف للنصوص النبوية، ولسيرة الصحابة والتابعين، وغاية ما فيه هو أخذ الحيطة التي تناسب الضرر المتوقع.

وانطلاقًا مِن هذه الأصول العامة استنبط علماء الأمة نظامًا سياسيًّا كاملاً، طبقته الأمة لقرون عديدة... كانت أهم ملامحه الآتي:

1- الإمامة وظيفة شرعية يُراد بها: "حفظ الدين، وسياسة الدنيا بالدين".

2- هذه المهام في الأصل هي مهام للأمة ككل، وهي: "إما فروض كفايات أو سنن كفايات"، وقد جاء النص القرآني عادة في هذه الأمور بخطاب الجمع: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ... ) (المائدة:38) ، ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ... ) (آل عمران:104) ، إلى آخر ذلك... ثم جاء الأمر للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ... )، والتطبيق العملي منه -صلى الله عليه وسلم- يقرر قاعدة الوكالة بين الأمة والحاكم.

3- ومِن خلال بيعة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وجماعة الشورى التي أسند إليها عمر اختيار الخليفة تَمَهَّد للأمة مفهوم "أهل الحل والعقد"، وهم الذين يتولون اختيار الحاكم نيابة عن الأمة، ثم يقومون بعد ذلك بالدور الأكبر في مراقبة الحاكم وعزله إذا لزم الأمر، ويجب على الأمة ككل أن تساهم في هذا الدور؛ إلا أن قرار عزل الحاكم يرجع إلى مَن ولاه.

ومما سبق، يتضح أن النظام الإسلامي رغم أنه يجمع السلطات في يد الحاكم إلا أنه لم يكن كالنظم الديكتاتورية التي كانت تعاني منها أوروبا؛ وذلك لعدة أمور...

منها:

1- أن الحاكم مقيد بالشرع، فإذا كانت أصول التشريع العامة قطعية محسومة لا يملك تغييرها حاكم أو محكوم لم يكن هناك وسيلة للحكم المطلق "الذي مِن أهم وسائله التشريع" وفقًا لهوى الحاكم.

2- وجود "أهل الحل والعقد" كوسيط في تولية الإمام وعزله، وبالطبع الإنكار عليه فيما بينهما يحقق التوازن بيْن صلاحيات الإمام وبين واجباته.

3- الشروط الشرعية المشترطة في الإمام متناسبة مع ما سيُعطى له مِن صلاحيات فيجب أن يكون عدلاً في دينه مجتهدًا، وأن يكون ذا نجدة وكفاية.

وفي المقابل: عانى الغرب مِن نيران الديكتاتورية، وكافح قرونًا متطاولة مِن أجل التخلص من ديكتاتورية الحكام، والتي استندت في معظم أحوالها إلى استبداد ديني، وأنشأ ما يُعرف بالدولة الحديثة؛ لتكون عالمانية ديمقراطية على أنقاض نظام ديني ديكتاتوري، كما أنها قامت على أساس قطري بدلاً من أحلام التوسع الإمبراطوري الذي ورطهم في حربين عالميتين!

ومِن أهم أسس هذا النظام:

1- السيادة للشعب، وهو مصدر السلطات.

2- الفصل بين السلطات: "التشريعية - التنفيذية - القضائية"، وعدم تجميعها في يد فرد؛ لا سيما السلطات: "التشريعية والتنفيذية".

3- ومِن ثَمَّ أصبح الرئيس هو رأس السلطة التنفيذية، وبناءً عليه -وعلى قيام هذا النظام على أساس لا ديني- انحصر دور الرئيس في تحقيق العيش الكريم لأفراد شعبه.

4- توقيت مدة الرئاسة.

5- إسناد سلطة التشريع إلى مجلس وليس لفرد، ويأتي عبر الانتخاب.

6- قيام كل دولة داخل حدودها القطرية المحددة عرقيًّا أو تاريخيًّا.

الصفحة التالية