مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وعلى الرغم من أن المسلمين لم يكونوا في حاجة إلى كل ذلك؛ فقد عمد الغرب إلى تفكيك الخلافة العثمانية واستبدالها بعدة دول قطرية محدودة، وكانت وعودهم الأولى بتكوين دولة عربية موحدة، ثم سرعان ما تلاشت وكوَّنوا تلك الدول المعروفة الآن، والأكثر من ذلك أنهم صدروا لهم نظام الحكم القائم على الدولة الحديثة، ومِن أسسها: "فصل الدين عن الدولة!".
وقامت نظم سياسية في تلك الدول لم تأخذ من تلك الدولة الحديثة إلا فصلها للدين عن الدولة بدرجات متفاوتة من دولة إلى أخرى، بينما مارست أشد أنواع الديكتاتورية باسم الديمقراطية!
وكافحت الحركة الإسلامية المعاصرة من أجل تحسين وضع الدول الإسلامية المعاصرة في اتجاهين:
الأول: محاربة العالمانية.
الثاني: محاربة الديكتاتورية.
وكان القدْر المتاح في محاربة العالمانية وفق النظام الدستوري هو إلزام السلطات التي تحددت وفق هذا النظام سواء التشريعية أو التنفيذية "والقضائية بالتبع لهما"، بعدم مخالفة الشريعة فيما يصدر عنهما من قوانين وقرارات فيما عُرف بنظام الدولة الدستورية القانونية الحديثة ذات المرجعية الإسلامية، وهذا النموذج من النظم السياسية ليس مطابقًا لنظام الإمامة الذي تكوَّن عبر تاريخ الأمة، ولكنه في ذات الوقت غير مصادم للقطعيات الشرعية وإن بقيت فيه مخالفات يمكن التغلب عليها.
وقد رأينا كيف يحاول "الإعلام المضلل" أن يؤثِّر على الناخبين؛ ليعادوا المشروع الإسلامي لتفرز آلية الانتخاب نظامًا عالمانيًّا، بينما كانت الدعوة إلى الله على ضعف الإمكانيات قادرة على التغلب على ذلك لتفرز آلية الانتخاب انحيازًا إلى المشروع الإسلامي؛ لا سيما على مستوى ذلك القيد الدستوري بمرجعية الشريعة؛ لأنه يبقى ملزمًا لجميع السلطات.
وأما قضية الخلافة كمفهوم جغرافي يشمل العالم الإسلامي كله: فأمثل الناس طريقة من يجعله من الأحلام المؤجلة التي لا يبدو أنه له وجود في المستقبل القريب -من ناحية الأسباب المادية- وإن كنا نرى ضرورة تعلمه وتعليمه، ونقله إلى الأجيال القادمة خلافًا لمن شطبه تمامًا من مشروعه.
وعلى أي... فعودة الخلافة لا بد وأن تمر بمراحل الإصلاح الداخلي في كل بلد من بلدان المسلمين عن طريق ضبط مرجعية النظم القائمة فيها بالإسلام، والتي يمكن بعدها الحديث عن اتحاد الجمهوريات الإسلامية، والبعض يقف بمستوى أحلامه عند هذا الحد، والبعض يتخطاه إلى الكلام على عودة الخلافة، وهو أمل نتمسك به لاستناده إلى وعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن القدر المتفق عليه تقريبًا بيْن الفصائل الإسلامية هو أن الإصلاح في المسارين اللذين ذكرناهما هما البداية.
وإذا كان الأمر كذلك فإن مِن الخطأ البيِّن والظاهر الذي يمكن أن يطيح بالتجربة الإسلامية بأسرها: "إنزال معنى الإمامة على واقع غير مطابق لها"، وهو خطأ وقع فيه فريق يُسمون إعلاميًّا: "بالمداخلة"؛ حيث أنزلوا النصوص الواردة في الإمام على الرؤساء، بل على رؤساء يُحارِبون المرجعية الإسلامية! بالإضافة إلى كونهم ظالمين: يسفكون الدماء، ويسرقون الأموال، وينتهكون الأعراض!
ثم لم يكتفوا بهذا حتى فسروا منع الخروج على أئمة الجور -الذي قصد به العلماء الخروج عليهم بالسيف حتى لا تراق الدماء- بما أسموه هم: الخروج بالكلمة؛ مما جعلهم يُسقِطون شعيرة الإنكار على الحكام جملة وتفصيلاً "ومِن ثَمَّ قبِلوا جميع الانحرافات التشريعية والإدارية، بل وبدع العبادات" طالما كانت صادرة عن إحدى مؤسسات الدولة!
وهؤلاء يصفون مَن ينكر على الحكام "فضلاً أن يعمل في مجال السياسة مِن الاتجاهات الإسلامية" بالخوارج!
وإن كان هؤلاء سوف يوضعون في اختبار صعب بعد وصول الإسلاميين "الموسومين عندهم سابقًا بالخروج" إلى أن يكونوا في إحدى سلطات الدولة.
فماذا سيفعلون معهم؟!
وهل سيعاملونهم معاملة ولاة الأمور كما عاملوا الطواغيت قبلهم أم ماذا؟!
ومن ناحية أخرى يخشى كثير من الأفراد والهيئات والمؤسسات أنه إذا تمكن فصيل إسلامي أو شخص إسلامي من الوصول إلى السلطة التشريعية أو التنفيذية أن يتم استدعاء بعض المفاهيم من نظام الإمامة مما يهدم النظام الدستوري الحديث، وبالطبع في هذه الحالة سوف يكون النظام نظامًا ديكتاتوريًّا لا يمثِّل نظام الإمامة، ولا نظام الدولة الدستورية الحديثة ذات المرجعية الإسلامية.
ومِن ثَمَّ فالواجب علينا جميعًا أن نعي النظام الذي التزمنا به، ولماذا التزمنا به؟ وأن نؤكد للجميع أن جميع فصائل العمل الإسلامي ملتزمة بالآليات التي تم الاتفاق عليها.
ويترتب على ذلك أمور:
أولاً: كل ما تقرر من واجبات، ومِن ثَمَّ حقوق الإمام في النظام السياسي الإسلامي هي الآن موزعة بين الرئيس وبين عدة مؤسسات، ومِن ثَمَّ فلقب الرئيس ليس مرادفًا ولا مكافئًا للإمام، ومِن ذلك:
1- حق إصدار القوانين -وبعد تقييدها بالشرع- هو الآن من صلاحيات البرلمان، وحق طاعة الإمام موجه بالأساس إلى هذه المهمة التي يقوم بها الآن أو بالقسط الأكبر منها مؤسسة كاملة هي البرلمان، ومِن أمثلة ذلك: حق تقييد المباح الذي أعطاه العلماء للإمام بشرط كونه عدلاً لا يستطيع رئيس الدولة في النظام الحديث فعله، وإنما غاية ما يمكنه أن يقدم مقترحًا إلى البرلمان ليصدر القوانين، ومن أمثلتها: "قوانين المرور"، وغيرها...
وغني عن الذكر أن من يملك هذا الحق لا يجوز أن يتوسع فيه حتى ولو كان "البرلمان"، كما فعل البرلمان المصري في النظام القديم وأقدم على وضع حد أدنى لسن الزواج مما يترتب عليه أن الزواج بعد سن البلوغ ودون الثامنة عشرة مأمور به شرعًا بينما هو مجرم قانونًا دونما حاجة شرعية معتبرة تتيح للإمام "في النظام الإسلامي أو البرلمان في النظام الحديث" أن يُقدِم على ذلك!
نعم، يملك الرئيس إصدار بعض القرارات، ولكنها مقيدة جدًا، وعمومًا: فالقاعدة فيها هي نفس القاعدة في أن: "الطاعة تكون في المعروف".
2- ومِن أهم الأمور التي خرجت عن صلاحيات الرئيس بينما كانت على رأس صلاحيات الإمام: هي مهمة "حفظ الدين"، وهي مهمة وفق نظام الدولة الحديثة موكولة إلى المؤسسة الدينية الرسمية، وهي في مصر: "الأزهر".