مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وحيث إن النظام الحديث يقوم على أن ما اصطلح على تسميته بمنظمات المجتمع المدني لا بد وأن تشارك المنظمات الحكومية الدور في كل مجال، وإن هذا مِن أهم أسباب منع الانحراف في السلطة؛ فإن "مهمة حفظ الدين" من أكثر المهام التي ينبغي أن يتأكد فيها هذا الأمر.
وقد رأينا كيف يوظف الظالمون المؤسسات الدينية، ويحرصون على تجريفها؛ لكي يكيفوا الدين وفق أهوائهم!
ومِن ثَمَّ فإن الواجب حتى في حالة وجود رئيس يؤمن بالمرجعية الإسلامية أن تنشط الجمعيات الخيرية الإسلامية "لا سيما مَن يتبنى الدعوة الشاملة والمشاركة السياسية" للقيام بدورهم على أكمل وجه، وفي هذا مساعدة ووقاية للمؤسسة الدينية الرسمية التي لا يستطيع الرئيس حتى ولو كان مؤمنًا بالمرجعية الإسلامية إلا أن يحاول أن يوفر لها المناخ المناسب للعمل وفقط، وأما التفاصيل فخارجة عن اختصاصه.
ثانيًا: نظام الإمامة يحفظ التوازن بين صلاحيات الإمام وواجباته من خلال "أهل الحل والعقد"، ومِن خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونظام الدولة الحديثة يفعل ذلك مِن خلال البرلمان، ومن خلال الأحزاب، ومِن خلال منظمات المجتمع المدني، ثم المراقبة الشعبية.
والواجب الحفاظ على هذه الآليات الحديثة جميعًا من باب:
- الوفاء بالعقود؛ لأن هذا عقد بين الرئيس والشعب.
- عدم تعرية النظام من عوامل التوازن التي فيه؛ لأن عند الإخلال بها مع عدم تطبيق مفهوم "أهل الحل والعقد" فينتج عن ذلك خلو النظام مِن هذا التوازن الضروري.
ثالثًا: المعارضة المادية لا وجود لها في نظام الإمامة، بل هي نوع من الخروج على الحاكم، ونعني بالمعارضة المادية: وجود فريق يصف نفسه بالمعارضة. وأما المعارضة الموضوعية: وهي الاعتراض على موقف خاطئ من الإمام فموجودة في النظامين.
ونظام الدولة الحديثة قائم على وجود معارضة مادية، وهم فريق آخر غير الفريق الذي في الحكم، ويتبنى رؤية مغايرة يسعى إلى تطبيقها إذا ما فشلت رؤية الفريق الحاكم، ومِن ثَمَّ أسقطه الشعب في الانتخابات، وفي أثناء ذلك فوجود المعارضة المادية يمثِّل أحد أهم جوانب التوازن في نظام الدولة الحديثة، وعندما يصل للحكم فريق يؤمن بالمرجعية الإسلامية فمن الطبيعي أن تنظم القوى العالمانية صفوفها، وأن تمارس معارضة مادية موضوعية ذات طابع أيديولوجي أمام الفصيل الإسلامي الحاكم.
ويجب على باقي الفصائل الإسلامية إذا ما كان نظام الدولة الحديثة يسميهم: "المعارضة"، أن تكون في مواقفها مطابقة للمعارضة الموضوعية، ومساندة للحق وهي أمر يعتبر في نظم الدولة الحديثة أمر مِن الأخلاق المثالية التي لا وجود لها في عالم التطبيق، ولكن يمكن للإسلاميين -بفضل الله- أن يوجدوه.
وأما تفريغ الساحة لأن تكون المعارضة الوحيدة "بالمعنى المادي السياسي" معارضة عالمانية صرفة؛ فهو إضعاف في واقع الأمر للنموذج الإسلامي وليس العكس.
رابعًا: يجب على الرئيس ذي المرجعية الإسلامية أن يفي بشروط عقده مع الشعب حتى في تلك الأمور التي يخالف فيها نظام الإمامة نظام الدولة الحديثة، مثل: توقيت العقد، وإن كان بعض المعاصرين يرى أن عقد الإمامة يقبل هذا التوقيت، ومثل عدم تعدي الاختصاصات، ومِن ثَمَّ يجب الإنكار على مَن عدل عن ذلك؛ لمخالفته لعقده؛ ولما يترتب على ذلك من ضرر بالغ بالتجربة الإسلامية بأسرها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.