عوائق تلوث الصف... وتعطل النصر
وائل سرحان • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -جلَّ شأنه وتباركت أسماؤه-: ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) (القيامة:1-2) ، و( لا ) في الآية مؤكدة للقسم، واقتران النفس اللوامة بيوم القيامة في القسم يُشعر بأنهما على درجةٍ متقاربة من العظمة والمكانة، فهذه النفس اللوامة هي جهاز المناعة ضد آفات النفس وأمراض القلب التي تعتري الإنسان، "هذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها وتتلفت حولها، وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله" (الظلال) .
وهذه النفس التي تلوم على الخير والشر قد تكون نفس فرد تحاسبه وتعاتبه، وقد تكون ضمير الجماعة الدعوية أو أحد أبنائها ينقد دعوته ناصحًا لها، مقوِّمًا لمسارها، ولا ينبغي أن ينظر بعين الريبة إلى مَن يقوِّم دعوته وينصح لها رغبة في بلوغها مقصدها.
"تظل الدعوة بحاجة ماسة إلى المراجعة والتقويم والترشيد، وليس مما يعيب الدعوة في شيء أن تعالج مشكلاتها المنهجية والوسائلية، وأن يشيع العاملون بها ثقافة "النقد الذاتي"، بعيدًا عن الحساسيات المفرطة والذاتية المعوِِّقة، بل ليست الدعوة ببالغة مناها إلا بممارسة هذا الواجب متى اكتملت الشروط الشرعية فيه".
وهذا التلوم أو النقد الذاتي من هدي سلف الأمة؛ حتى مع قادتهم، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: لما أصاب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الغنائمَ يوم حنين، وقسّم للمتأَلفين ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي -واللهِ- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم... فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ ) قال: "ما أنا إلا امرؤ من قومي". (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
فلا بد إذن من الصراحة والوضوح حتى مع القادة أنفسهم؛ فسعد بن عبادة -رضي الله عنه- يصارح النبي -صلى الله عليه وسلم- قائده ومعلمه، وتتجلى هذه الصراحة وذلك الوضوح أروع ما يكون حينما يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سعدًا: ( فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ ) فيجيب -رضي الله عنه-: "ما أنا إلا امرؤ من قومي"؛ أي: أن قولهم هو قولي.
لم يتزلف سعد قائده ومعلمه حتى لا يغضب عليه أو ليتخذ عنده مكانًا عليًّا، إنما نصح له فالدين النصيحة، لم يربِ النبي -صلى الله عليه وسلم- سعدًا تربية العبيد؛ إنما تربى سعد تربية القادة "إن هذه الصفات والخصال الحميدة لا يجيدها إلا النادر من التلاميذ والأتباع، ولا يتقبلها إلا القليل من القادة".
هذه الصراحة في معالجة الأخطاء أو النقد الذاتي يحمي الدعوة من عوامل الهدم الداخلية التي غالبًا ما تكون أشد خطرًا من عوامل الهدم الخارجية؛ لاشتباهها والتباسها بالحق أو الهوى، وهي أهم عوامل تأخر النصر... هذه الصراحة في معالجة الأخطاء الداخلية هي هدي "القرآن الكريم" في تربية الجيل الأول، فلما اختلف الصحابة بعد أن منَّ عليهم يوم الفرقان أنزل الله -تعالى- قوله: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (الأنفال:1) ، ففي الآية صراحة ربما تكون مؤلمة للبعض، لكن الصف المسلم ساعتها يحتاج إلى ذلك حتى لا تتفاقم الأخطاء.
ولقد وعد الله المؤمنين بالنصر يوم "أحد"، لكنهم هزموا، وكان السبب من داخل الصف المسلم فنزلت آيات الذكر الحكيم توضح سبب الهزيمة وتخلف النصر، ولم تكن هناك مجاملة للمؤمنين -وهم يومئذ خلص المؤمنين-، قال -تعالى-: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:165) ، وهذه الآية تحمل معاني الإنكار والتوبيخ، والتقريع والتبكيت، وتُبيِّن أن "الوعد كان مشروطًا بالثبات والمطاوعة" (تفسير القاسمي) .
وفي يوم "حنين" تنزل الآيات تبيِّن أن الإعجاب بالقوة والكثرة هو سبب ما حدث، قال -تعالى-: ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) (التوبة:25) ، وغيرها من الآيات التي لا تتسع لها هذه العجالة.
ولو أنعمنا النظر في الآيات السابقات لرأيناها تعالج أخطاء الأتباع، فكثيرًا ما ينتبه الناس لأخطاء القادة ويتغافلون عن آفات الأتباع والصف الداخلي التي ربما تكون سببًا رئيسًا في أخطاء القادة، فكما قال الحسن: "أعمالكم عمالكم"، كما أن معالجة أخطاء القادة لا بد لها من فقه كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَقِيلُوا ذَوِيِ الْهَيْئَاتِ زَلاتِهِمْ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره) . فضلاً عن أن تكون خطأ نتج عن اجتهاد وليس زلة محضة، كما أنه لا يتمكن كل أحد من نصح القادة.
إن الناظر بعين البصيرة لظاهرة الصحوة الإسلامية في هذا العصر على تعدد اتجاهاتها، يجد كثيرًا من الظواهر المَرَضِيّة المتفشية... وعلى جميع المستويات العاملة بها، والصحوة الإسلامية تمثِّل طليعة الأمة ونواة التغيير فيها، والدعوة السلفية هي عماد الصحوة الإسلامية المعاصرة، وقاعدتها القوية؛ لذلك فإن هذه الدعوة المباركة، تتحمل تبعات جسام في مسيرة الإحياء الإسلامي الجديد، تستدعي من أبنائها وأهلها أن يكونوا على قدر هذه التبعات.