شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عوائق تلوث الصف... وتعطل النصر

وائل سرحان • مع الدعاة

إلا أن ميدان الدعوة الهام قد يدخله وينتسب إليه نفر ليسوا على المستوى المطلوب علمًا وتربية وسلوكًا، وقد ينزلقون في خضم دعوتهم إلى أخطاء وملاحظات قد تنعكس سلبًا على هدف الدعوة السامي، وغياب التربية الإسلامية المتكاملة لدى الكثيرين آفة خطرة تعوق حركة المنهج الإسلامي؛ فلا ينبغي أن نهتم بزيادة الأتباع، أو المسابقة على اقتناص المواقع في المجتمعات على حساب الكيف، ولا ينبغي أن نهتم بتنمية المهارات الحركية لأبناء الدعوة على حساب فهم المنهج وإصلاح النفوس والتخلص من آفات القلوب، وعلى حساب الأنس بالله -عز وجل-، فعلى الدعوة أن يَنصب جلّ اهتمامها على إيجاد الربانيين الذين يقول عنهم ابن جرير: "الربانيون هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا".

أين هؤلاء الربانيون أصحاب القلوب الهينة اللينة... ذوو النفوس الخاشعة والعيون الدامعة مما يعاينه أبناء الصحوة من قسوة في القلوب، وغلظة في الطبع، وجفاف في السلوك، وتفريط في العبادات كمًّا وكيفًا؟!

إن كثيرًا من الآفات والأمراض التي تصيب العاملين في حقل الدعوة الآن يجمعها قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) (روه أبو داود والترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر وغيره، وضعفه الألباني) . وفي حديث أنس قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ... وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ) (رواه البزار والطبراني، وحسنه الألباني) .

ففي الحديث إشارة إلى أن زمن القبض على الجمر هو زمن الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، "وهذه الخصال الأربع بينها ارتباط وصلة، وكذلك شأن أمراض القلوب؛ فغالبًا ما تجد الشح واتباع الهوى وإيثار الدنيا والعجب مجتمعة كلها في حالة مرضية واحدة، وقد يعافى المرء من تلك الثلاثة الأُوَل، إلا إعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فهي أشدها، وهي التي منها المعاناة عند الخلاف".

لقد فسدت أعمال دعوية كثيرة، وتعطلت الدعوة في أماكن عدة واختلف أبناؤها وتناحروا ولم يكن ذلك إلا من "إعجاب كل ذي رأي برأيه". قال علي -رضي الله عنه-: "الإعجاب آفة الألباب". وعن مسروق: "وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله" (جامع بيان العلم) .

فمن أُعجب برأيه فلن يتبع الحق مهما كان واضحًا، فطبيعة متبع هواه والمعجب برأيه إذا علم أن رأيه خطأ ألا يتنازل عنه ولا يعترف بالحق، بل يتمسك بخطئه ويصر عليه، ويأنف من الرجوع للحق، فاتباع الهوى يصد صاحبه عن الاستجابة للحق، قال -تعالى-: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (القصص: 50) .

وقال علي- رضي الله عنه-: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة".

قد يتسرب الداء إلى الداعية من باب عدم جلد الذات، وقد يكون ذلك هروبًا من مواجهة النفس، ويطول عليه الأمد فيحسن الظن بنفسه ويعجب برأيه، "فالمرء منا يلحظ عيوب غيره، ويغفل عن عيوب نفسه فيحسن الظن بها، ويخالها خيِّرة صفية، وما يدري أن في ذلك هلاكه، وكذلك تُستدرَج الجماعات والأمم؛ فحين يتسرب إلى نفوسنا هذا النوع من الوثوق المغرِّر، والطمأنينة الخادعة فإننا نتواكل على صلاح موهوم، ونركن إلى استقامة منتحلة!".

قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا" (رواه الإمام أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس) .

فحسن الظن بالنفس فضلاً عن الإعجاب بها وبالرأي ليس من هدي سلفنا الذين جعلنا منهجهم شعارًا، فقد كانوا يمقتون أنفسهم في جنب الله -تعالى-؛ حتى لا يرى أحدهم نفسه إلا شرًّا من المسلمين أجمعين. فهذا مطرِّف يقول -في دعائه بعرفة-: "اللهم لا تردَّ الناس لأجلي" (محاسبة النفس) . وقال بكر بن عبد الله المزني: "لما نظرتُ إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غُفِرَ لهم لولا أني كنت فيهم" (محاسبة النفس) . ولما احتُضر سفيان الثوري -وما أدراك ما سفيان- يقول لحماد: "أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟!" (محاسبة النفس) . يخطئ مَن يحسب أن مقته لنفسه إهدار لمكانته، فيدع ذلك بدعوى اتقاء تجرؤ السفهاء.

وهذا الإعجاب بالرأي أو رؤية النفس -أو عبادتها أحيانًا- كثيرًا ما يقترن برؤية العمل، فالعامل "يعرض له في عمله ثلاث آفات: رؤيته وملاحظته، وطلب العوض عليه، ورضاه به وسكونه إليه" ( المدارج) ، وهذا من عوائق الطريق إلى الله -تعالى- فـ"بين القلب وبين الرب مسافة، وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه، من كبر وإعجاب وإدلال، ورؤية العمل، ونسيان المنة" (المدارج) .

كثيرا ما يفاخر المرء منا بسبقه في الدعوة وقدمه فيها، وبأعماله وجهده وتفانيه، وكثيرًا ما يلقي باللائمة على أولئك الذين تجرؤوا عليه ولم يحترموا سنه وبذله وسبقه ( فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) (النجم:32) ، ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ) (النور:21) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية